تجليد الكتب.. فن يدوي يقاوم الاندثار في تونس

محمد بن ساسي يمارس تجليد الكتب منذ أربعين عاما ويحرص على انتقال سر هذا الفن للأجيال الصاعدة (الجزيرة)
محمد بن ساسي يمارس تجليد الكتب منذ أربعين عاما ويحرص على انتقال سر هذا الفن للأجيال الصاعدة (الجزيرة)

أسماء بن بشير-تونس

متلمسا أدواته اليدوية الخشبية، يتجول آخر مجلد كتب بين الرفوف ليروي حكاية هذا المقص الضخم وهذه الآلات التي تبلغ من العمر تسعين عاما، وتلك الطاولة التي اقتناها من صاحبها الإيطالي منذ خمسين عاما.

يقع محله في أحد أزقة شارع الباشا وسط المدينة العتيقة بتونس العاصمة، ويكفي للوصول إليه أن تسال عنه بالاسم، فالكل هنا يعرفه، لكن لا شيء في تلك الأزقة يشي بأن آخر مجلد كتب يقبع في ذلك الدكان المتواري عن الأنظار.

يقف محمد بن ساسي (63 عاما) في محله الضيق المزدحم بالكتب وبأنواع عديدة من الجلود والآلات اليدوية القديمة، وهو منذ أكثر من أربعين سنة يمارس فن تجليد الكتب والمخطوطات بالطريقة التقليدية.

آخر المجلدين في المدينة العتيقة يقف فخورا بحرفته التي تعود في تونس للقرن التاسع الهجري، وهو الذي حلم أن يصبح طبيبا جراحا لكن وفاة والده -العائل الوحيد للأسرة- حرمه من إكمال دراسته.

عمل في مجالات عدة بحثا عن لقمة العيش إلى أن انتهى به المطاف مجلدا للكتب القديمة. يقول محمد بن ساسي "أنا طبيب جراح للكتب والمخطوطات، أجمع شتاتها لتخرج من بين يدي  في شكل جميل".

بعض أعمال التجليد التي تحمل بصمة محمد بن ساسي (الجزيرة)

ويسرد محمد تفاصيل التفاصيل لبداياته، فيقول إن "هذه الحرفة لم تكن بالنسبة لي مجرد عمل، بل كانت عشقا فنيا، وكنت في بداياتي أذهب لأعمل بلا أجر عند أصحاب محلات التجليد حبا في المهنة ورغبة في التعلم أكثر".

ويكشف للجزيرة نت عن مخطوط ثمين يعود لأقدم من أربعمئة سنة يستعد لتجليده، حمله بين يديه كمن يحمل كنزا يحاول مواراته، وسمح لنا بتصويره قائلا: "آلات التصوير تضر مثل هذه الوثائق، ولكني أسمح لكم استثنائيا".

محمد بن ساسي أحد مؤسسي أرشيف المكتبة الوطنية التونسية، وقد عمل فيها مجلدا لأندر الوثائق والمخطوطات حتى تقاعده، لكنه لم يفرط في محله وظل يعمل فيه بالتوازي مع عمله الحكومي.

آخر مجلد كتبٍ في تونس يبين أن تكلفة تجليد كتاب تتراوح بين 12 دينارا تونسيا (6 دولارات) و500 دينار تونسي (250 دولارا)، مشددا على أنه يستعمل جلودا محلية لأنها الأفضل، على حد تعبيره.

وكما يقصده تونسيون من الباحثين والكتاب يقصد محله أيضا السفراء والأجانب، وهو يتمنى أن  تولي المؤسسات الحكومية هذه الحرفة الأهمية اللازمة والسعي من أجل عدم اندثارها.

محمد مستعد لأن يشرف على إعداد شباب في هذا الاختصاص، ويتمنى لو تتوفر له الإمكانيات اللازمة لأن يقيم معارض خاصة بهذه الحرفة التي يؤمن أن التطور التكنولوجي لن ينجح في منافستها، لأنها فن.

بفضل فن تجليد الكتب يتم إنقاذ مخطوطات نادرة من قبيل هذه العينة التي تبلغ من العمر 400 سنة (الجزيرة)

يقول محمد بن ساسي متحسرا إن حرفة تجليد الكتب بالطريقة اليدوية تحتاج أيضا إلى غرفة مهنية خاصة بها، لا أن يتم دمجها مع غرفة "السكافة والجلود".

أما محمد غربال رئيس غرفة "السكافة والجلود" (مؤسسة مهنية تابعة لهيئة الصناعات التقليدية الملحقة بهيئة السياحة)، فيؤكد للجزيرة نت أن تجليد الكتب بالطريقة التقليدية مهنة في طريقها للاندثار.

وكغيرها من الحرف الأخرى تواجه جملة من الصعوبات، أبرزها غياب سياسة واضحة لتشجيعها والبحث عن أطر جديدة لإعادة إحيائها وتعليمها للشباب، رغم أنها مصدر مهم للسياحة والعملة الصعبة.

فيما يثمن مدير المعهد العالي للتراث فوزي محفوظ هذه الحرفة، ويبين أن تونس لديها نماذج من كتب مجلدة تعود للقرن التاسع هجري في متحف "رقادة" بالقيروان ومتحف "باردو" بالعاصمة.

ويأسف للمشاكل التي تعانيها، ويرى أن من الضروري العمل على إحداث سوق خاصة بها، ويدعو المكتبات العمومية إلى الانخراط في تسفير الكتب بطريقة تقليدية، والانفتاح على الخارج للترويج لهذه النوعية الفنية الفاخرة.

هند -ابنة زرياب تونس الفنان صالح المهدي- هي من زبائن محمد بن ساسي، تقول إنها لم تسمع بهذا الرجل إلا عن طريق مجلة فرنسية، وكانت تعتقد أن فن التجليد اندثر في تونس.

سارعت هند المهدي لجمع جزء من المصحف الشريف مخطوط عمره أكثر من مئتي عام، وقدمته لمحمد بن ساسي لتجميعه وتجليده، فخرج في شكل جميل فاخر.

تقول هند للجزيرة نت إن التجليد فن لا بد من المحافظة عليه وتشجيع الشباب على تعلمه، وهو موروث تقليدي تونسي يجب تثمينه، وهو مثل غيره من الحرف التقليدية التونسية التي نتمسك بها وندعو كل التونسيين للتشبث بها وبأصالتنا.

المصدر : الجزيرة