فهمي جدعان: المجتمعات العربية تعيش أزمة قيم

الدكتور فهمي جدعان أستاذ زائر في برنامج الفلسفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا (المعهد)
الدكتور فهمي جدعان أستاذ زائر في برنامج الفلسفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا (المعهد)

ألقى الدكتور فهمي جدعان أمس الثلاثاء المحاضرة الافتتاحية الثانية للعام الجامعي 2018/2019 في معهد الدوحة للدراسات العليا، بعنوان "مبادئ قاعدية مطلقة لأنوار عربية مستدامة".

وتناولت المحاضرة البيئة الجوهرية للوجود وأشكاله المتباينة، وحالة الصراع الدائم الذي أطلق عليه اسم "الاحتراق الكوني" الذي بدوره سيشكل حالة تجديد ذاتي.

كما تناولت التطور التاريخي للتجربة العربية سياسيا واجتماعيا وثقافيا. ثم استهل المحاضر عرضا تاريخيا للحالة العربية شرح فيه عملية الاحتراق الكوني المتولد عن التضاد والتناقض في مجالات عديدة، وتطرق لدور ما أسماه "التراث الحي" المحمول في اللغة وآدابها والجلي في الآثار الفنية الباقية والعلوم الدينية والفقهية السائرة، وبيّن صموده في عملية الاحتراق التاريخية هذه.

ورأى أن الأمل هو الدافع الأساسي لهاجس التغيير والنهضة، ولكن هذا الأمل واجه العديد من التحديات التي تولدت عنها دول وطنية مكبلة بالتقليد وحاملة شعار التحديث في نسخته الزائفة. ورأى أنه كان ينبغي أن يكون قدوم "الدولة الوطنية" أساسا حاسما في تحقيق "مبدأ الأمل"، لكن الدولة الوطنية جاءت في الغالب الأعم عصية على مبادئ الدولة الوطنية الحقيقية.

وشخّص الدكتور جدعان -وهو أستاذ زائر في برنامج الفلسفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا- قصور مشاريع النهضة التي عرفها الوطن العربي، موجها سهام النقد إلى تيارات عديدة حاملة لمشروع التغيير باختلاف مشاربها ومستعرضا معاناة المجتمعات العربية التي طالها الاستبداد والفقر والفساد، حيث أكد أن الأزمة التي تعيشها المجتمعات العربية "أزمة قيم".

تحرر من التبعية
وفي معرض جوابه على سؤال: ما الذي يعنيه هذا؟ أشار المحاضر إلى أهم الميزات التي ينبغي التحلي بها للتحرر من التبعية والاستقلال السياسي، والتي تتجلى في مبادئ الحضور والاعتراف والأصالة الذاتية.


ويرى أن الأصالة عنده هي التي تنبذ التقليد والنسج على مثال الآخرين، أي تمثّل مبدأ الخلق والإبداع وتوجيه الفاعلية الذاتية عن طريق التجديد والتميز والفرادة والحرية والتعبير عن الأنا أو الذات الفردية وعن الذات الجمعية بمفاهيم وآليات مبتدعة ومستنبطة من المعطيات المباشرة الحية، لا من خلال آليات ومناهج ومعطيات ونظم العوالم الثقافية والاجتماعية والسياسية الأخرى.

وشدد المحاضر على ضرورة استنطاق منهج أصيل في العلوم الإنسانية والاجتماعية من خلال معطيات مباشرة تنطلق من الواقع، مشيرا إلى ضرورة التنبه لخطورة عملية استيراد المذاهب والمناهج الغربية وزرعها في مجتمعاتنا دون تمحيص وفحص.

وركز على ضرورة توخي الأصالة والإبداع والتميز والحضور الفاعل من خلال إبداع فلسفات خاصة ومبتكرة تنظر مباشرة في مجتمعاتها لتنتج ولادة جديدة للتنور والأنوار.

واختتم الباحث محاضرته بضرورة إحداث التغيير الضروري والتقدم الحيوي والوجودي في الإنسان العربي، ووضع حد لحالة الاغتراب التي تتلبس الكاتب والمثقف والباحث والفيلسوف والمفكر والعالم، وتوجيه الجهود والطاقات إلى النظر في آلاف القضايا الدقيقة التي تمس البنى العميقة للحياة الإنسانية والاجتماعية. وهذا يحتاج -بحسبه- إلى البحث العلمي الأصيل الخلاق والتعويل على "الموجة الجديدة" من الطاقات العربية الشابة التي لم يفها السابقون حقها من التقدم والنجاح.

المصدر : الجزيرة