هل تستعيد "أروقة الأزهر" دورها المندثر؟

حضور كبير في المجلس الحديثي بالجامع الأزهر (مواقع التواصل الاجتماعي)
حضور كبير في المجلس الحديثي بالجامع الأزهر (مواقع التواصل الاجتماعي)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

غلبت حالة الحماس والإقبال المسيطرة على محمد أبو المكارم علامات الشيب وتجاعيد ما بعد الخمسين، وهو يزاحم زملاءه من الفتية والشباب وقلة من أقرانه في العمر على الصفوف الأولى لمجلس مدارسة أحد متون الفقه الشافعي بأحد أروقة الجامع الأزهر التي بدأ المواظبة عليها منذ أسابيع.

أبو المكارم -الذي يملك منفذ بيع أقمشة وستائر في شارع الأزهر- اكتسبت علاقته بالمنطقة بعدا آخر بعد أن كانت محصورة في التجارة، حيث وجد -كما وصف للجزيرة نت- ضالة قديمة له حين حثه أحد أبناء بلدته الريفية من طلبة الأزهر على حضور مجالس العلم الناشطة بساحات جامع الأزهر.

وبنشوة وسعادة حرص على إبدائها لا يجد أبو المكارم غضاضة في أن الدروس التي يحضرها مخصصة للطلبة المبتدئين، وأغلب المشاركين فيها من صغار السن وحديثي العهد بالتعليم الأزهري من طلبة دول إسلامية مختلفة غير ناطقة باللغة العربية.

ويواظب التاجر الخمسيني على حضور دروس ثلاثة أصناف من العلوم هي الفقه والحديث والتفسير، وبين الفينة والأخرى يحضر أحد دروس السيرة النبوية واللغة العربية، لافتا إلى أنه يسعى جاهدا لتوفير قدر أكبر من الوقت لاستغلال ما بات يوفره الجامع الأزهر من دروس ومجالس علم مجانية.

ساحات الجامع الأزهر وأروقته تجتذب المئات من مريدي علوم الشريعة واللغة العربية (الجزيرة)

ومؤخرا باتت ساحات الجامع الأزهر وأروقته تجتذب المئات من مريدي علوم الشريعة واللغة العربية إضافة إلى علوم أخرى، في ظل سعي إدارة مؤسسة الأزهر لإحياء المجالس العلمية خارج نطاق النظام التعليمي الحديث وتجديد دور "الأروقة الأزهرية" واستغلالها باحتضان تلك المجالس.

تطور نوعي
وشهدت الشهور الأخيرة تطورا نوعيا في نشاط تلك الأروقة، فقد تم التوسع في عددها لتشمل 14 رواقا، أبرزها رواق القرآن الكريم وعلومه، ورواق العلوم الشرعية، ورواق الدعوة، ورواق اللغة العربية للناطقين بغيرها، ورواق المكتبة، ورواق اللغات الأجنبية، ورواق التدريب والتنمية البشرية، ورواق التواصل الاجتماعي، ورواق البحوث والنشر والتحقيق.

وشهدت ساحات الجامع الأزهر مطلع الشهر الجاري مشاركة أعداد غفيرة من الطلبة في "المجلس الحديثي الكبير" بحضور كوكبة من علماء الأزهر، حيث تتم قراءة كتاب "فضل الصلاة على النبي لابن فارس" وكتاب "الأحاديث المعللة لابن المديني" وكتاب "الأربعين النووية للإمام النووي".

وفي هذا السياق، يذهب أحمد شاكر عضو هيئة تدريس بالأزهر الشريف وأحد المهتمين بفكرة إعادة إحياء أروقة الأزهر إلى أن الفكرة شهدت تطورا ملحوظا في الآونة الأخيرة، في إطار ما اعتمدته مؤسسة الأزهر كمنهج لإبراز أدواره السامية، ليتناسب هذا النهج مع طالبي العلم الشرعي من مصادره الصحيحة وعبر توقيتات مختلفة.

الأعداد المشاركة تزداد تدريجيا في الالتزام والالتحاق بمحاضرات الرواق (مواقع التواصل الاجتماعي)

ويشير في حديث للجزيرة نت إلى أن الأعداد المشاركة تزداد تدريجيا في الالتزام والالتحاق بمحاضرات الرواق، معتبرا ما تناقلتها وسائل إعلامية مؤخرا بشأن مجلس الإقراء الحديثي الذي عقد منذ أيام دليل حب وثقة في مؤسسة الأزهر، وفي فكرته ومنهجه.

لكنه يرى أنه كي تؤدي هذه الأروقة دورها بشكل مثمر أكثر لا بد لها من اعتماد الدراسة المنهجية المتدرجة وتحويل العلوم المقدمة إلى واقع، والاستقلالية التامة عن الانتماء السياسي والحزبي، وشمولية التدريس، وضرورة إتاحة فرص للنقاش، ومضاعفة الاهتمام باللغة العربية وعلومها.

تزايد متتابع
وحسب القائمين على هذه الأروقة، تتنوع نشاطاتها ما بين دورات وبرامج ودروس فاق عددها الأسبوعي أكثر من ثلاثمئة فعالية، في حين يزيد عدد الدارسين المنتظمين فيها على ألفي دارس، علاوة على المئات من غير المنتظمين الذين يتزايد عددهم بشكل مطرد.

ويأتي في مقدمة الطلبة المشاركين في هذه المجالس والدروس طلبة دول شرق وجنوب آسيا، وعلى رأسهم الطلبة الماليزيون والإندونيسيون، كما تتزايد أعداد الطلبة الأفارقة، ويقوم على التدريس فيها نخبة من أساتذة الأزهر، وأعضاء هيئة التدريس فيها من الرجال والنساء.

واعتبر أستاذ التفسير وعلومه في جامعة الأزهر رمضان خميس هذا التوجه عودة من قبل القائمين عليه إلى الأصل الذي قام عليه الأزهر، ويقرأ ذلك باعتباره بوادر صحوة بعد تغييب متعمد لدور الأزهر عن الحياة، أو تشبثا بما يمكن أن يحفظ للأزهر قيمته وأصالته ومرجعيته لمصر والعالم الإسلامي.

ويرى في حديث للجزيرة نت أن هذا الأمر سيعين الأزهر على الضلوع بمهامه والقيام بها كونه يستمد قوته من ذلك في ظل ما شهده مؤخرا من هجمة شرسة شارك فيها سياسيون وإعلاميون بصورة غير مقبولة، لكن الأمر يتطلب حسب رأيه -لتجاوز العودة الشكلية- ما يحقق المصداقية المطلوبة.

الشهور الأخيرة شهدت تطورا نوعيا بنشاط تلك الأروقة فقد تم التوسع في عددها لتشمل 14 رواقا (الجزيرة)

ومع اتفاقه في تثمين هذا التوجه وتقديره له باعتباره جهدا يصب في إطار محاولة استعادة دور الأزهر ومكانته يرى أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر حبيب الله حسن في حديثه للجزيرة نت أن الحكم على ثمرته وآثاره يتطلب دراسة ميدانية معمقة ونوعية ترصد نتائج هذا التوجه على مختلف المستويات.

وأروقة الأزهر تطلق اصطلاحا على مجالس علمية تقام في "أروقة" الجامع الأزهر بالقاهرة، وكانت في السابق أماكن للإعاشة الكاملة أنشأها السلاطين والأمراء والعظماء وبلغ عددها 29 رواقا، وخصص معظمها للطلاب الفقراء والمنقطعين لطلب العلم، قبل إخلائها من سكن الطلبة خلال ترميم المسجد عام 1992.

المصدر : الجزيرة