ظاهرة المقاهي الثقافية تزدهر في المغرب

مقهى ثقافي في مدينة تارجيست بضواحي الحسيمة في المغرب (الجزيرة)
مقهى ثقافي في مدينة تارجيست بضواحي الحسيمة في المغرب (الجزيرة)

 سناء القويطي-الرباط

على غير عادته يغص مقهى سمير في مدينة تمارة ضواحي الرباط بالرواد من مختلف الأعمار والفئات، لا يتبادلون الكلام كدأبهم في اللقاءات الاجتماعية بالمقاهي ولا يتابعون مباراة كرة القدم أو أخبار العالم عبر الشاشة المنصوبة في منتصفها، بل عيونهم مصوبة نحو منصة تتوسط المقهى، يصغون باهتمام وإمعان لحديث الكاتب والروائي المغربي حسن أوريد الذي حل ضيفا على مدينتهم الصغيرة تلبية لدعوة المقهى الثقافي لتمارة.

بلغة عربية رصينة وبأسلوب أدبي ماتع يعرض أوريد تجربته وشجونه وأفكاره ويتجاوب معه الحضور بأسئلة تستغور ما وراء كتاباته وأبطال رواياته.

ويعد هذا أول لقاء ثقافي لصاحب "ربيع قرطبة" و"الموريسكي" مع جمهور هذه المدينة الصغيرة التي تعيش بسكانها الثلاثمئة ألف ركودا ثقافيا وضعفا في البنية الثقافية رغم أنه لا تفصلها عن العاصمة الرباط غير ستة كيلومترات.

انتعاش ثقافي
وانتعشت في السنوات الأخيرة ظاهرة المقاهي الثقافية بعدد من المدن الصغيرة، حيث غدا المقهى وسيطا بين جمهور متعطش للثقافة والفكر والفن ومبدعين يبحثون عن صدى إبداعهم لدى المتلقي. 

رواد مقهى ثقافي بمدينة تمارة (الجزيرة)

ويؤكد الكاتب المغربي حسن أوريد هذا الانتعاش الثقافي الذي يظهر جليا في الأماكن البعيدة عن المركز وما يسمى الهامش أو المدن الصغرى والمتوسطة.

واعتبر ذلك مؤشرا إيجابيا، مبديا في حديث للجزيرة نت إعجابه بنوعية الحضور والأسئلة والأجواء التي مر فيها لقاؤه بقرائه في مدينة تمارة وفي فضاء مختلف مثل المقهى.

ويحاول القيمون على هذا المقهى الثقافي -كما يقول رئيسه محمد العدوني- الخروج بالفعل الثقافي من ضيق القاعات المغلقة إلى سعة الفضاءات العامة المفتوحة.

ويضيف أنهم يسعون إلى خلق مصالحة بين الفعل الثقافي وعموم الناس الذين هم رواد المقاهي لتصبح الثقافة فعلا شعبيا من خلال تنظيم لقاءات مباشرة بين الفاعل الثقافي وبين شريحة أوسع من الجمهور.

حلحلة الصمت الثقافي
وبعيدا عن العاصمة الرباط بأزيد من ثلاثمئة كيلومتر ينشط المقهى الأدبي لمدينة تارجيست ضواحي الحسيمة شمال شرقي البلاد، ويستضيف أدباء وشعراء وفنانين لكسر رتابة الصمت الثقافي الذي ران على هذه المدينة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 11 ألفا.

وترنو هذه اللقاءات التي ينظمها المقهى الأدبي -حسب رئيسه بوجمعة لكريك- إلى تأجيج الطاقات الإبداعية الكامنة لدى شباب هذه المدينة المنسية بجبال الريف المحرومين من مراكز ثقافية تلبي حاجتهم لما يغذي عقولهم. 

ويشير لكريك إلى أن هذا المقهى يسعى إلى خلق تواصل بين مبدعين غير معروفين والجمهور، ولا توجد لديهم معايير الشهرة أو الإنتاج الكثيف في تحديد ضيوف المقهى.

ويسعى مؤسسو هذه المبادرة أيضا إلى تغيير الصورة النمطية عن المقهى كفضاء للتدخين والبطالة وقتل الوقت بما لا يفيد من كلام، ولذلك أعادوا تأثيث المقهى الذي يحتضن الأنشطة الثقافية بتزيينه بصور المبدعين الذين تمت استضافتهم طوال السنوات الثلاث الماضية، ووضع خزانة كتب رهن إشارة رواده.

أقشاني: رواد المقاهي تجاوبوا إيجابيا مع هذه التجربة الثقافية (الجزيرة)

في خدمة الثقافة
في عام 2015 تأسست شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب وكانت خطتها نشر الثقافة في ما يسمى المغرب العميق البعيد عن محور الرباط-الدار البيضاء.

وتأسست مقاه ثقافية في 28 مدينة، منها مدن جرادة وتارجيست وتيفلت وتنغير والفقيه بنصالح وغيرها من المدن الصغيرة التي يحاول أبناؤها إحداث انبعاث ثقافي فيها بمجهوداتهم الذاتية.

ويقول رئيس شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب نور الدين أقشاني إن عددا من هذه المقاهي نجح في الترويج الثقافي والفني، مسجلا تجاوب رواد المقهى مع هذه التجربة الثقافية التي تساهم في ترويج إصدارات المبدعين وفتح قناة تواصل مباشر بينهم وبين الجمهور الذي لا يراهم إلا عبر شاشات التلفاز أو صفحات الجرائد، ولا يتعرف عليهم إلا من خلال إنتاجاتهم.

ويلاحظ أقشاني أن تجاوب جمهور المدن الصغيرة مع أنشطة المقاهي الثقافية يفوق تجاوب نظيره في المدن الكبرى، وهو ما يعني تعطش ساكني هذه المناطق للفعل الثقافي ولهذه الثقافة الجديدة داخل المقاهي.

وبالإضافة إلى تنظيم لقاءات ثقافية مع المبدعين في شتى المجالات يقول أقشاني إن الشبكة أنشأت مكتبات داخل المقاهي بدعم من اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر ووزارة الثقافة من أجل جعل هذه الفضاءات الشعبية في خدمة الثقافة والمعرفة.

المصدر : الجزيرة