عـاجـل: الخارجية الأمريكية: نطالب إيران باحترام سيادة جيرانها والتوقف عن مساعدة أطراف ثالثة في العراق والمنطقة

كاتب عراقي: الجابري لم يدع إلى قطيعة مع التراث

عبد الحكيم أحمين-الدوحة

قال الكاتب العراقي علي القاسمي إن المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري (1935-2010) لم يدع قط إلى قطيعة تاريخية تامة مع التراث أو إلقائه في المتاحف وهجره، بل دعا لتجديده وفق رؤية معاصرة تستفيد من نماذج التراث الإيجابية وتترك نماذجه السلبية من أجل بناء حاضرنا ومستقبلنا. 

جاء ذلك في دراسة للقاسمي في كتابه "التراث العربي الإسلامي.. دراسات وتأملات" الذي صدر العام الجاري عن دار النوادر في لبنان وقال فيه إن كثيرا من القراء والمثقفين فهموا فهما خاطئا دعوة الجابري في كتابه "نحن والتراث" (1980) لقطيعة إبستمولوجية (معرفية) مع التراث.

وأوضح القاسمي أن القطيعة التي دعا لها الجابري تتمثل في أربعة أنواع؛ قطيعة مع نماذج معينة من التراث في عصر الانحطاط، وقطيعة مع القراءات غير الموضوعية للتراث، وقطيعة مع الفكر الغنوصي الذي ساد في فترات من تاريخنا، وقطيعة مع بعض المناهج غير الموضوعية.

ففي النوع الأول "القطيعة مع نماذج محددة من التراث"، حث الجابري على "قطيعة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر"، إذ ركزت العملية التعليمية في عصر الانحطاط على النحو والفقه والتوحيد، واكتفى العقل العربي وقتها بطريقة واحدة في التفكير وهي "القياس"، دون تقيد بشروط صحة هذا النوع من الاستدلال.

محمد عابد الجابري كرس عقودا طويلة في دراسة التراث العربي الإسلامي (ناشطون)

آلية القياس
وانتقلت هذه الطريقة في التفكير إلى عصرنا الحاضر حيث دعا بعض الإصلاحيين إلى "قياس الغائب على الشاهد"، والغائب هنا هو المستقبل، والشاهد هو الماضي المجيد، ليبرهنوا على أن "ما تم في الماضي يمكن تحقيقه في المستقبل"، غير أن الجابري يرى أنه "لا يمكن للعرب أن يؤسسوا مشروع نهضتهم الحاضرة على الماضي، وإنما ينبغي استخدام طرائق علمية موضوعية حديثة لتحقيق النهضة".

النوع الثاني من القطيعة الذي دعا إليه الجابري، هو القطيعة مع القراءة السلفية للتراث، لأنها "قراءة لا تاريخية، وبالتالي لا يمكن أن تنتج سوى نوع واحد من الفهم للتراث". فالقطيعة هنا "ليست القطيعة مع التراث، بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تحوّلنا من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث" كما يقول الجابري.

ولما كانت القطيعة لا تؤسس نفسها ما لم تقدم بديلا، فإن الجابري يقدم طريقة بديلة ملائمة في التعامل مع التراث، ويدعو "إلى قراءة معاصرة" للتراث تتجاوز التجميع والتوثيق والتحليل وتتوخى التأويل، أي إعطاء المقروء معنى بالنسبة لمحيطه الفكري والاجتماعي والسياسي، وأن يكون إحياء التراث وسيلة لإعطاء الأمة العربية هوية متميزة وأن لا تتحول هذه الوسيلة إلى غاية، وبالتالي يفرق الجابري هنا بين مستويين في التعامل مع التراث: مستوى الفهم ومستوى التوظيف.

أما النوع الثالث من القطيعة الذي يتبناه الجابري، فهو القطيعة بين مفكر وآخر في التراث. فأثناء دراسته للتراث الفلسفي العربي لاحظ الجابري أن الفلسفة العربية كما ظهرت على يد الكِنْدي وتطورت على يد الفارابي كانت فلسفة مناضلة من أجل العلم والتقدم، لكن ابن سينا ارتد بها إلى فلسفة روحانية غنوصية لا عقلانية، عمل الغزالي والسهروردي على نشرها، ثم قام ابن رشد بقطيعة مع غنوصية ابن سينا وفلسفته المشرقية.

القاسمي: كثيرون فهموا فهما خاطئا دعوة الجابري في "نحن والتراث" (الجزيرة)

مشرق ومغرب
وقد اتهم بعض النقاد الجابري بأنه فصل الفلسفة في المشرق عنها في المغرب، "بيد أن الحقيقة كما هي ماثلة في كتابه هذا (نحن والتراث) هو أنه فضّل الفلسفة الرشدية العقلانية على السينوية الغنوصية" يقول علي القاسمي.

كما رفض الجابري "التصوف السني" الذي نادى به الغزالي، لأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تعرف التصوف قط.. وأن الخطاب القرآني خطاب عقل وليس خطاب غنوص أو عرفان أو إشراق".

أما النوع الرابع من القطيعة التي نادى بها الجابري، فهو القطيعة بين حقل معرفي وآخر في التراث، حيث دعا إلى تبني نهج ابن رشد في الفصل بين الدين من جهة والعلم والفلسفة من جهة أخرى، وقال "لنتجنّب تأويل الدين بالعلم وربطه به، لأن العلم يتغير ويتناقض، ويلغي نفسه باستمرار، ولنتجنب تقييد العلم بالدين لنفس السبب. إن العلم لا يحتاج إلى أية قيود تأتيه من خارجه، لأنه يصنع قيوده بنفسه".

لكي تتأسس القطيعة التي أرساها ابن رشد بين الدين والفلسفة، قدم البديل وهو "فهم الدين داخل الدين وبواسطة معطياته، وفهم الفلسفة داخل الفلسفة وبواسطة مقدماتها ومقاصدها". ويرى الجابري أن بديل ابن رشد هذا يمكن أن نقتبس منه منهجه ونوظفه في عصرنا الحاضر لبناء علاقة بين التراث والفكر العالمي بحيث نحقق الأصالة والمعاصرة معا.

المصدر : الجزيرة