خبير: الأخبار المزيفة معضلة عالمية تؤجج التضليل والكراهية

شاكر: ثمة مسارات يجري فيها غسيل أخبار مزيفة، أو تحويل خبر مزيف إلى خبر معترف به (الجزيرة)
شاكر: ثمة مسارات يجري فيها غسيل أخبار مزيفة، أو تحويل خبر مزيف إلى خبر معترف به (الجزيرة)

الجزيرة نت-جنيف

حذر الاستشاري الإعلامي حسام شاكر من أن الأخبار المزيفة باتت معضلة متفاقمة عالميا، ويقع توظيفها من أجل التضليل وإشاعة الكراهية، بما يترك تأثيرات متعددة تأتي جسيمة أحيانا.

وفي ندوة حضرها مندوبو عدد من الدول ومنظمات المجتمع المدني من أنحاء العالم، أقيمت الاثنين في مقر الأمم المتحدة في جنيف على هامش أعمال مجلس حقوق الإنسان المنعقد حاليا، قال شاكر إن "الخبر المزيف قد يكون نتيجة خطأ مهني من وسيلة إعلامية أو سوء فهم من أفراد الجمهور، لكنه قد يكون أيضا نتاج تضليل مقصود أو كذب محبوك كليا أو جزئيا".

وأوضح شاكر خلال حديثه في الندوة التي نظمها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومؤسسة كوجيب أن الأخبار الكاذبة تكون على مستويات، فهناك مثلا "مواد كاذبة كليا أو جزئيا وأخرى تتعمد إخفاء معلومات مهمة عن السياق بهدف التضليل، وهذا من صور التدليس".

وأشار إلى أن "الجمهور الذي لا يملك المعلومة الصحيحة قد يختار بطريقة خاطئة في الانتخابات. وعندما تهيمن المخاوف على الجمهور فإنه لن يتعامل مع المعلومات بأسلوب متوازن وواعٍ، وقد يتسبب ذلك في المحصلة بصعود شخص بعينه إلى منصب الرئاسة أو بخروج دول من الاتحاد الأوروبي مثلا بعد استفتاءات شعبية".

وأكد شاكر أن الأخبار المزيفة هي وسيلة مثالية للتضليل، ومادة ملائمة لشحن الجمهور وتعبئته، وبالتالي إذكاء العنصرية والكراهية. فمن أهداف هذه الأخبار توليد انطباعات معينة أو دفع أشخاص إلى تصرفات محددة، وهذه قد تكون في اتجاهات كراهية مثلا.

وذكر الخبير أن التزييف الإخباري ليس حالة نمطية، بل تتعدد صوره وأشكاله. وبالنسبة لكثير من الأفراد يكون صعبا التفريق بين الأخبار الحقيقية والأخبار المزيفة، وهذا ما يتيح فرصا لتفشي هذه الأخيرة بالطبع.

الجمهور والتزييف
وعن ملابسات تعامل الجمهور مع الأخبار المزيفة أوضح شاكر أن "شيوع القلق والخوف في المجتمعات، تحت تأثير تحولات متسارعة وتطورات ضاغطة وأزمات سياسية واجتماعية والإحساس بالتهديد الأمني، كلها تدفع إلى استقبال انتقائي للمعلومات وإلى ردود أفعال من بينها تبادل مواد زائفة ومضللة".

وأضاف "قد يعود ذلك بتأثيرات منها زيادة منسوب القلق وإذكاء المخاوف، وهو ما يجعل الجمهور أكثر قابلية للتساهل مع تنازلات مبدئية وقيمية"، كما قال.

ولفت الخبير الانتباه إلى أن "بعض الأخبار المزيفة تستند إلى القوالب النمطية المستقرة في وعي المجتمعات، فالمادة المزيّفة إن لامست هذه القوالب النمطية أصبح بإمكانها أن تحظى باهتمام خاص في بعض الأوساط لأنها تلبي الحاجة إلى براهين على فكرة مسبقة، فيجري تبادل أخبار تنسجم مع الأحكام المسبقة وتبدو برهانا عليها".

وبشأن علاقة الأخبار المزيفة بخطاب الكراهية، قال حسام شاكر إن "بعض الأخبار المزيفة مكرسة لتشكيل انطباعات تنزع الصفة الإنسانية عن فئات معينة، أو تنطوي على تشويه بحقها أو تحريض ضدها".

وقال شاكر "من الواضح أن الجماعات العنصرية والمتطرفة تعتمد على أخبار حافلة بالمبالغات. وفي النهاية قد تكلّف الناس أرواحهم وتبث الأحقاد في المجتمعات". وتابع قائلا إن "بعض مقترفي جرائم الكراهية عاشوا داخل فقاعة من الأخبار المزيفة وتقارير وكتب ذات طابع تحريضي. وهكذا أيضا تتمكن الأخبار المزيفة من صناعة أخبار حقيقية، بعضها مأساوي".

وساق الاستشاري الإعلامي مفهوما جديدا أطلق عليه "غسيل الأخبار المزيفة"، حيث قال إن "ثمة مسارات يجري فيها غسيل أخبار مزيفة، أو تحويل خبر مزيف إلى خبر معترف به".

وتابع موضحا أن ذلك يجري مثلا عبر صدور خبر مزيف في وسيلة إعلام في بلد بعيد ثم النقل عنها في وسائل إعلام أخرى، أو من خلال مراكز بحث ودراسات غير موضوعية تنشر مزاعم فتنقل عنها كأنها مصدر موثوق، وقد يجري ذلك استنادا إلى مصادر يَصعُب التحقق منها، ثم يقع النقل عنها مثل مصادر استخبارية مثلا. وقد تجد هذه المواد طريقها إلى الموسوعات الحرة في الإنترنت فيعتمد عليها رغم أنها مواد زائفة ومضللة.

مزاعم السياسيين
هناك أخبار مزيفة يتناقلها الجمهور، لكن هناك زعماء سياسيون، كما قال شاكر، ينشرون في المجتمعات "مزاعم مزيفة ويستخدمون مبالغات وتخمينات على أنها هي الحقيقة والواقع، ويتحدثون بأنصاف حقائق ولا يقولون الصدق، وهم يشكلون قسطا مهما من المحتوى الإعلامي بكل تأكيد". وأضاف شاكر أن هؤلاء الزعماء السياسيين "يعززون ثقافة المبالغة والقبول بالروايات الهشة".

وتتضمن دعاية بعض الأحزاب ومضامين خطابها "مبالغات تستعمل الأرقام والإحصاءات غير الدقيقة وتأتي بمزاعم لم يقع التحقق منها، ويتضح هذا مثلا لدى الأحزاب الشعبوية في أقصى اليمين"، حسب توضيح شاكر.

وأشار الخبير إلى أن المعلومة مؤثرة في التصرف، وبالتالي فإن تضليل الجمهور وتسخينه بخطابات سياسية واهية وبأخبار مزيفة سيدفع الأصوات والمواقف في اتجاهات غير عقلانية، بما في ذلك حمى الكراهية والعنصرية والإسلاموفوبيا.

وخلص حسام شاكر إلى أن الأخبار المزيفة مؤهلة لأن تصبح أخبارا حقيقية، وهذا "لأنها تترك تأثيرا في الواقع، وقد يغدو هذا التأثير ملموسا بكيفية تصنع أخبارا واقعية". وشرح ذلك قائلا "لا يتوقف الأمر عند حدود تأثير الأخبار المزيفة في بعض النتائج الانتخابية مثلا، بل يتجلى في حقول متعددة، ومنها تأثيرها في شحن الجمهور باتجاهات كراهية بما قد يدفع بعض الأفراد إلى اقتراف اعتداءات مادية ولفظية".

المصدر : الجزيرة