الإيرانية فرخ زاد.. تمرد شعري على يومي مخادع

الشاعرة الإيرانية فروغ فرح زاد
بين ديوان وآخر ومع تقدم القصيدة نحو نضوج الزمن يتطور العصيان عند الشاعرة الإيرانية فروغ فرخ زاد (الجزيرة)

•عبد القادر فايز

 شارع طويل ربما هي الحياة
     تعبره امرأة بسلة كل يوم
حبل سميك ربما هي الحياة
    يتدلى رجل من أحد أغصانها
ولد صغير ربما هي الحياة
    ولد يعود من المدرسة

منذ أن كتبت الشاعرة الإيرانية فروغ فرخ زاد هذا، يقتحم اليومي تأملاتها الشعرية، منذ ذلك اليوم لم تعد معنية بتدليل اليومي وهدهدته، بل باتت معنية بالتمرد عليه وتعريته بقوة الخريف دون التدخل في ترتيب فصول التفاصيل، هكذا باتت فروغ الشاعرة هي ذاتها فروغ المرأة التي تتشبه بالأشجار كأنها تتخلى عن أوراقها فقط لتبقى على قيد ذاتها وتشهد ولادتها من جديد.

هذه الولادات المتعاقبة شكلت إرهاصة الصدمة المعرفية للشاعرة الإيرانية ليأتي عنوان ديوانها الأول "ولادة أخرى" وفيه فضلت الخروج من كهف العزلة الأنثوي والتجديف في بحيرة المجهول، بمعنى المواجهة وإعادة الاكتشاف ورفع الغطاء عن المسكوت عنه.

في "ولادة أخرى" تُعرّف فروغ الغربة بأنها حالة خذلان جماعية تتوالد في الزمن أكثر منها العزف على أوتار الحنين لما فات، الغربة كما تقول الشاعرة تلد السكون وتقيد الحركة وتغري الإنسان بالاكتفاء بالنظر إلى اليومي دون التأمل في نقائضه.

نقرأ في ديوان "ولادة أخرى":
لطالما كانت هناك فاصلة بين النظر والنافذة
لماذا لم أتأمل؟

هكذا بتكثيف ماهر تقدم فروغ كيمياء تمردها حين تفرق بين التكرار اليومي وبين التأمل في المستور لتغدو المسافة شاسعة كأنها مسافة بين عالمين مختلفين تماما، عالم اليوميات المحكوم بالتكرار وعالم التمرد المشبع بالتأمل والاكتشاف، اكتشاف الآتي عبر التسلح بالخيال.

في أحد كتبها، تصف فروغ فرخ زاد العلاقة بين التأمل والخيال والتغيير فتكتب "حين يبدأ الخيال تدليك جسد التأمل تشتعل الفكرة ولا يعد بمقدور أحد إطفاؤها أو مواجهة إغرائها بالاستمرار، فالإنسان نجح في البقاء حين تأمل وتخيل وحوّل خياله إلى واقع معيش، فالسكون يلد اليومي بينما تلد الحركة كل شيء قد يأتي".

‪الشاعرة الإيرانية فروغ فرخ زاد.. حين يعلن العصيان ثورته على اليومي المخادع‬ (الجزيرة)‪الشاعرة الإيرانية فروغ فرخ زاد.. حين يعلن العصيان ثورته على اليومي المخادع‬ (الجزيرة)

وفي قصديتها "النافذة" من ديوان "لنؤمن جميعا ببداية فصل الصقيع" تدلك فروغ خيالنا فتكتب: 
"من عالم الدمى أتيت
من تحت ظلال الأشجار من كتاب مصور أتيت
من فصول جفاف التجارب العقيمة أتيت
من عقم الصداقة والحب في زقاق العصمة الترابي أتيت"
 
يبدو واضحا حجم الفشل الجماعي الذي تحمله فروغ وهي تعبر عالمي الطفولة والمراهقة، لكن ذلك الفشل لا يقودها للتسليم بمناعة اليومي، بل يوصلها إلى النقيض تماما، أي إعلان حالة العصيان الذي فتح أمامها نافذة التأمل فجأة لتبدأ أول خيوط تأملها ضد العادي واليومي، ففي نهاية قصيدة النافذة تكتب فروغ:
"وأنا التي لم أتأمل النافذة المشرعة
بينما غرد الكنار الحزين أربع مرات
أربع مرات
وأنا التي لم أتأمل"

بين ديوان وآخر ومع تقدم القصيدة نحو نضوج الزمن يتطور العصيان عند فروغ التي تقول في ديوانها الأول "ولادة أخرى" إن الشاعر لا يحتاج سوى نافذة مشرعة تفتح أمامه فجأة ليبدأ محرك التأمل بالدوران.

لكنها هي فروغ ذاتها التي تعلن في الديوان الثاني "لنؤمن جميعا ببداية فصل الصقيع" أن نافذة مشرعة ومجرد تأمل ساكن لا يكفيان، وكأن التأمل لم يعد هدفا في حد ذاته.

تتساءل فرخ زاد: "ما فائدة التأمل ما لم يقدك إلى التمرد على العاديات التي تكرر نفسها، التمرد على اليومي حتى ولو خدعك بوجوه عدة وبدّل هيئاته، إلا أنه وفي النهاية يبقى هو نفسه، جثة ممددة في تابوت الوقت.

في ديوانها السابق تكتب فروغ عن التأمل الكاذب وعن اليومي الهلامي:
"جثث تبدو محظوظة
جثث متشائمة
جثث هادئة متأملة
جثث مترفة اللباس
جثث رغيدة
جثث جثث في محطات الوقت
في أرض مريبة بتألقها المؤقت
متألقة في شهوة امتلاك فاكهة فاسدة متعفنة"
 
يصل تمرد فروغ على اليومي والعادي ذروته في قصيدتها "الطائر إلى زوال ووحده الصوت يبقى"، حيث يلح عليها الشك ويغريها اليأس بالتوقف والاكتفاء بتأمل التكرار ووجوهه الخادعة، لكن الشاعرة تقرر التوغل أكثر في عصيانها وتفضل الغوص لا السباحة، الغوص ليس غرقا، بل شغفا بالآتي: 
" لماذا أتوقف؟ لماذا؟!
بينما الطائر يواصل بحثه قرب زرقة الماء
عامودي هو الأفق بعد الآن
عامود هو الأفق بينما الحركة أشبه بنافورة فوارة
متصلة قوانا
فالشمس أصل الضياء والغرق ليس إلا إبحارا في تفاصيل النور".

تتدحرج فروغ في فتح نوافذ التأمل على اليومي ومواجهته بحد الحركة والتغيير وتوغل كثيرا في اكتشاف عوالم مجهولة، لكنها في النهاية تغلق هذه النوافذ كلها بعد إشباع شهوة الشغف لتفتح نافذة واحدة ووحيدة فقط، نافذة الآخر في داخلنا، ذلك الآخر المتمرد العصي على التطويع، وقبل انطفاء شمعتها بقليل تكتب فروغ فرخ زاد آخر عناوين تمردها: 
"اسأل المرآة
اسألها على اسم مخلصك
اسألها… "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شاعر وإعلامي فلسطيني

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

مجلة "أوروب" الباريسية تحتفي بالأدب الإيراني

مع قلة الأعمال الأدبية المتوفرة بلغة موليير، خصّصت مجلة “أوروبا” الفرنسية عددها الأخير للتعريف بأبرز وجوه الأدب الإيراني ومحطاته، متوقفة أيضا عند التحولات الاجتماعية والسياسية، التي شكلت إطار تطوّره على مدى القرن الماضي وحتى اليوم.

Published On 14/6/2012
محمود درويش في آخر زيارة له لحيفا عام 2007

صدرت عن دار نشر “جشمة” (الينبوع) الإيرانية الترجمة الفارسية لديوان “أثر الفراشة” للشاعر الراحل محمود درويش أنجزتها المترجمة والشاعرة الإيرانية مريم حيدري التي قالت إن ذلك يعد خطوة ليتعرف قارئ الشعر الايراني على درويش كشاعر عربي كبير ومن أعظم الشعراء المعاصرين.

Published On 1/8/2011
81 باحثا يشاركون في الندوة الدولية حول الرومي

بدأت في إيران فعاليات الذكرى المئوية الثامنة لشاعر التصوف الإسلامي البارز جلال الدين الرومي. وعقدت في طهران بحضور الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ندوة دولية تناولت شعر الرومي الذي كتب كله بالفارسية وتوفي صاحبه في قونية التركية عن 66عاما.

Published On 28/10/2007
جكناواريان : السمفونية تعبير عن احترامي للنبي العظيم محمد

يقدم الموسيقار الأرمني المسيحي لوريس جكناواريان الشهر المقبل في إيران سيمفونية “رسول العشق والأمل” تعبيرا عن محبته للنبي محمد عليه الصلاة والسلام. والسيمفونية موسيقى وشعر للشاعر الإيراني مهدي شجاعي, وتبدأ بحياة المسيح وتعود إلى بداية الخلق لتتنامى البشارة وتصل ذروتها بميلاد النبي محمد.

Published On 27/7/2007
المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة