ناصر عراق.. القراءة الاحترافية ولغز الشخصية المصرية

ناصر عراق يقول إنه قرأ الكثير عن تاريخ بلاده الحديث لاكتشاف طبيعة الشخصية المصرية والجهاز النفسي الذي يتحكم بسلوكها (الجزيرة)
ناصر عراق يقول إنه قرأ الكثير عن تاريخ بلاده الحديث لاكتشاف طبيعة الشخصية المصرية والجهاز النفسي الذي يتحكم بسلوكها (الجزيرة)

لا يستكين الكاتب المصري ناصر عراق الفائز بجائزة كتارا للرواية العربية (2016) لسلطان المواسم والمناسبات في عاداته مع القراءة، لكنه يكيف ما يصفها "مهمة جميلة يومية" وفق اعتبارات عملية نابعة من نضج احترافي وخاضعة لأهداف محددة في الزمن.

ويقول عراق، في حوار مع الجزيرة نت هو الحلقة الأولى من سلسلة رمضانية مع عدد من الكتاب العرب حول طقوس القراءة في هذا الشهر الفضيل، إن "المهمة التي كلفت نفسي بها هي التي تفرض الكتب التي أطالعها بغض النظر عن أي شيء آخر".

وربما تشاء الأقدار هذا الشهر أن يكون البعد الديني والتاريخي حاضرا بشكل ما في اهتمامات وقراءات مؤلف رواية "الأزبكية" لأنه يعكف حاليا على كتابة رواية جديدة عن صورتنا في مرآة الآخر الغربي، وهو ما يعني الإطلاع على بعض ما ألفه كتاب غربيون عن تاريخنا وثقافتنا.

وعن حضور البعد السياسي في قراءاته، يقول عراق إنه قرأ عشرات الكتب عن إحدى فترات تاريخ مصر الحديث في رمضان وفي غير رمضان، في محاولة لاكتشاف طبيعة الشخصية المصرية والجهاز النفسي الذي يتحكم في سلوكها

وبخصوص منصات القراءة، لا يزال عراق وفيا للكتاب في صيغته الورقية وإن كانت الطفرات التكنولوجية والرقمية تفرض نفسها عليه وتحديدا في ما يتعلق بجوانب المتابعة والمواكبة، وهنا يقول   عن الفضاء الأزرق إنه يتابع ما ينشر على صفحاته بانتظام. وفي ما يلي نص الحوار.

إلى أي حد تتأثر عاداتكم القرائية بحلول رمضان وطقوسه الخاصة؟ وما حجم البعدين الروحي والتراثي في ما ستقرؤونه خلال هذا الشهر؟

في ظني أن الكاتب المحترف عندما يتجاوز عمرا معينا تصبح القراءة بالنسبة له مهمة يومية جميلة، يضع لها الأولويات ويحدد لها الكتب التي تعينه على عمله بغض النظر عن المناسبات الدينية والقومية التي ستحل هذا الأسبوع أو هذا الشهر.

وبالنسبة لي، فإنني أخصص عادة مجموعة من الكتب التي أحتاج إلى قراءتها لإنجاز عمل ما، رواية.. دراسة.. مقال، الأمر الذي يجعلني أتعامل مع الكتاب بوصفه سلاحا أستخدمه لتحقيق أهدافي، فإذا كنت بصدد الكتابة عن قضية دينية، فستجدني أتوجه إلى الكتب التي ترصد هذه المنطقة الفكرية والتراثية، حتى لو لم يكن شهر رمضان الكريم واقفا بباب الزمن.

وإذا كنت أنوي الكتابة عن شأن أدبي أو تاريخي أو سياسي أو سينمائي أو موسيقي سأستعير من مكتبي الكتب التي تتناول هذه الأمور حتى لو كنا في رحاب ليلة القدر. باختصار.. المهمة التي كلفت نفسي بها هي التي تفرض الكتب التي أطالعها بغض النظر عن أي شيء آخر.     
 
 ما حجم تأثير وصدى السياسة وشؤون الساعة ببلدك وخارجه في ما تعتزمون قراءته خلال رمضان؟

بكل تأكيد، ستظل للسياسة وألاعيبها وشؤون وطني اليومية أولوية كبرى في اختياراتي للقراءة، خاصة وأن مصر، وعالمنا العربي عموما، تمر بصعوبات سياسية واجتماعية واقتصادية شديدة القسوة.

وقد وقفت طويلا أمام المزاج العام للشعب المصري الذي أشعل ثورتين وطرد رئيسين من عرين السلطة في أقل من ثلاث سنوات، فذهبت إلى الماضي المشابه لأعيد قراءة ما كتب عنه بذهنية أخرى، وهو ما حدا بي إلى كتابة روايتي "الأزبكية" التي تستلهم فترة بالغة الغرابة والفوضى في التاريخ المصري، وأعني الفترة التي بدأت مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون عام 1798، وانتهت مع وصول محمد علي إلى السلطة في 1805.

لقد قرأت عشرات الكتب عن هذه الفترة في رمضان وفي غير رمضان، بهدف محدد... هو محاولة اكتشاف طبيعة الشخصية المصرية والجهاز النفسي الذي يتحكم في سلوكها، لأفهم كيف طردنا طاغيتين في فترة وجيزة، ومع ذلك لم نستطع تحقيق أهداف ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013. 

ناصر عراق فاز بجائزة كتارا للرواية العربية العام الماضي عن رواية "الأزبكية" (الجزيرة)

 ما أبرز الكتب التي ستحظى باهتمامكم خلال رمضان؟ وهل بالإمكان إعطاء فكرة مقتضبة للقارئ عن واحد من أهم تلك الكتب؟ وماذا عن حيثيات اختيار ذلك الكتاب بالتحديد؟

أمامي بالفعل مجموعة من الكتب التي أنوي الاطلاع عليها في شهر رمضان، وأهمها الروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر لهذا العام، وكذلك كتاب "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم.. مصر ما بين 1833 - 1835" لإدوارد وليم لين، وسأعيد قراءة كتاب "تأريخ القرآن"، للألماني تيودور نولدكه وتلاميذه.

والكتاب الأخير يقدم صورة أخرى عن كيفية تعاملنا مع القرآن الكريم، صورة الباحث الغربي الجاد الذي يتعامل مع أي نص بعقلية علمية. ويعود سبب رجوعي لقراءة هذا الكتاب بالذات لأنني أعكف حاليا على كتابة رواية جديدة تستلزم معرفة كيف يرانا الرجل الغربي.

 
عموما، هل بالإمكان الحديث عن عاداتكم القرائية وحجم وطبيعة منصات القراءة (رقمية أو ورقية)؟ وهل لشبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وإخوته) تأثير ما في حجم وطبيعة ما تقرؤون؟

علاقتي بالقراءة المنتظمة تعود إلى نصف قرن تقريبا، وأنا ما زلت طفلا صغيرا، لأنني ولدت في أسرة شغوفة بالمعرفة والاطلاع، من أول الوالد الراحل عبد الفتاح عراق حتى أشقائي الخمسة الذين يكبرونني بسنوات طويلة، وكانت الكتب المتنوعة والصحف والمجلات تزين بيتنا البسيط بشبرا الخيمة شمالي القاهرة، الأمر الذي جعل القراءة بالنسبة لي طقسا يوميا لطيفا، وأذكر جيدا كيف كنت أذهب وأنا في الخامسة عشرة من عمري إلى سور الأزبكية بالعتبة لشراء الكتب المستعملة بثمن ضئيل وأعود لألتهم ما ابتعته بعقل متوثب وقلب فرح.

أما الآن، فأقرأ في الصباح الباكر لمدة ساعة ونصف الساعة تقريبا، قبل أن أذهب إلى وظيفتي، وفي المساء أخصص ساعة واحدة فقط للقراءة قبل النوم نظرا للإجهاد البصري الذي صارت تعاني منه عيناي منذ ثلاثة أعوام، هذا بخصوص الكتب الورقية.

أما شبكات التواصل الاجتماعي، فأتعامل معها بجدية واهتمام، خاصة الفيسبوك، وأتابع ما ينشر على صفحاته بانتظام، لكني لا أطالع الكتب على شاشة الكمبيوتر أو الموبايل، وإنما أفضل اقتناء الكتاب الورقي، علما بأنني لا أتردد لحظة في قراءة مقال طويل على شاشة الموبايل إذا كان يمتاز بالجدية والفرادة.

المصدر : الجزيرة