سامية حلبي توثق بالريشة والألوان مذبحة كفر قاسم

لوحة النساء توثق اللحظات الأخيرة قبل قتل 14 سيدة فلسطينية في مذبحة كفر قاسم (الجزيرة)
لوحة النساء توثق اللحظات الأخيرة قبل قتل 14 سيدة فلسطينية في مذبحة كفر قاسم (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

في متحف جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، وقفت الفلسطينية روز عامر تشير إلى جدتها في لوحة "النساء" للفنانة سامية حلبي، والتي توثق اللحظات الأخيرة قبل إعدام جنود إسرائيليين 14 امرأة في مذبحة كفر قاسم عام 1956.

قالت عامر إن جدتها التي قُتلت في عمر الخمسين، كانت عائدة من العمل مع مجموعة من النساء مساء الـ29 من أكتوبر/تشرين الثاني 1956، دون أن يخطر ببالهن أن جنود الاحتلال بدؤوا في ذلك المساء بتنفيذ المذبحة الشهيرة في التاريخ الفلسطيني، التي أعدم فيها 94 من أبناء البلدة.

وبعد سبعة عقود على وقوعها، أحيت الفنانة الفلسطينية سامية حلبي الفاجعة في معرض "رسومات توثيقية" مبنية على سنوات من البحث ومقابلة الناجين وأبنائهم ممن وثقوا المذبحة وقت وقوعها حين قرر الاحتلال فرض حظر على كفر قاسم لثلاثة أسابيع ومنع تصوير أو نشر الجريمة، ثم رفض الاعتراف بمسؤوليته عنها حتى اليوم.

كانت سامية حلبي في الـ26 من عمرها، تعيش مع أسرتها في الولايات المتحدة الأميركية عندما وقعت المجزرة عام 1956، وكانت قد هجرت مع عائلتها من القدس في نكبة 1948.

روز عامر تشير إلى رسمة لجدتها التي قتلت مع 13 امرأة في موجة واحدة خلال مذبحة كفر قاسم (الجزيرة)

وفي عام 1999، قادتها صديقتها عائشة عامر المقيمة في كندا إلى بلدتها كفر قاسم وعرفتها على قريبتها روز عامر التي ساعدتها في الوصول إلى الناجين من المجزرة، أو ممن وثقوها كعُمر عامر "أبو ناصر" الذي نجا لأنه غاب عن عمله يومها.

محاولات محو
تقول حلبي "من المهم أن تعرف الأجيال الجديدة ماذا حدث في كفر قاسم في وقت نُجابه محاولات محو أو تغيير لهذا التاريخ، وامتلاك هذه الأجيال للرواية الحقيقية يعني الاستمرار في الدفاع عن حقهم".

وضم المعرض الذي افتتح الأربعاء ويستمر حتى نهاية مايو/أيار القادم، 16 لوحة فنية بعضها رسمت بالفحم وأخرى بأقلام الشمع، ووثقت اللحظات الأخيرة قبل المذبحة، إذ ركزت الفنانة على ملامح الشهداء وخطواتهم نحو قاتلهم قبل أن يطلق الرصاص عليهم، كما في لوحة عمال المحجَر الأربعة.

وقسمت حلبي توثيقها لمذبحة كفر قاسم إلى تسع موجات، قتل خلالها الإسرائيليون مجموعات متفاوتة العدد من الرجال والنساء. وكان عمال المحجر أولى موجات القتلى. واعتمدت في ذلك على التقسيم الذي وثقه الأديب الفلسطيني إميل حبيبي في كتابه "كفر قاسم، المجزرة السياسية"، وكذلك على روايات أهالي البلدة.

تعتبر الفنانة سامية حلبي من رواد الفن التجريدي وتعرض أعمالها في متاحف عربية ودولية (الجزيرة)

وفي الموجة الأولى أيضا ترسم حلبي "الذبح في الحقول الشمالية لكفر قاسم"، وفيها خرج ثلاثة رعاة صغار لسقاية قطيعهم غير مدركين أن الإسرائيليين شنوا عدوانا على مصر قبل ساعات، وأنهم فرضوا حظر التجول على القرية.

علم عمهم إبراهيم عيسى (35 عاما) فترك بيته وخرج يبحث عنهم، ولدى عودتهم أوقفتهم مجموعة جنود إسرائيليين وقتلت إبراهيم والطفلين عبد الله وعبد عيسى. أما الثالث سامي مصطفى الذي سار خلف القطيع فوقع أرضا وتظاهر بالموت فنجا.

الموجة الثالثة
وفي صدر المعرض، لوحة ملونة مختلفة عن غالبية اللوحات التي رسمت بلون رصاصي وأسود، ومثلت الموجة الثالثة من القتل، وكانت للفتى الراعي فتحي عثمان عيسى الذي قتل أمام قطيعه بسلاح ثلاثة جنود على الطريق الغربي للبلدة، قبل أن يقتلوا والده خلف القطيع.

وفي لوحة ملونة كبيرة أيضا، رسمت حلبي موجة القتل السابعة التي راح ضحيتها عشرة عمال كانت تقلهم شاحنة في طريق العودة إلى منازلهم، وجميعهم من الشباب والأطفال. 

لوحة من معرض يوثق مذبحة كفر قاسم 1956 للفنانة الفلسطينية سامية حلبي (الجزيرة)

وفي بعض اللوحات، وثقت حلبي شخصيات الضحايا قبل وبعد قتلهم، كما في لوحة النساء التي وقفت فيها 14 امرأة وطفلة خائفات من الموت، ثم في لوحة أخرى أسمتها "انفجار داخلي" كانت جثثهن تتكدس فوق بعضها بعدما قتلن وهن ممسكات بأيدي بعضهن.

وفي الشهادات المرفقة للوحات، قالت الناجية هناء عامر إن الجنود استمروا في إطلاق النار على رؤوس النساء ليتأكدوا من مقتلهن، وكانت من بينهن حوامل.

وصدر على هامش المعرض كتاب "رسومات مذبحة كفر قاسم" لسامية حلبي، الذي يتعرض لتجربة إنجاز المعرض ويوثق نحو ثلاثين شهادة حول المجزرة.

مدرسة النهضة
ويمثل المعرض بالنسبة لسامية حلبي مساهمة في نضالها لحماية الرواية الفلسطينية، كما قالت، وليس نشاطا فنيا بحتا. واستخدمت فيه مهارة الرسم من مدرسة النهضة، حيث اهتمت بتوثيق الحدث كما وقع، فرسمت العمال والرعاة والسياج والصبار وشجر الزيتون كما وصفها أهل كفر قاسم.

وحيث لا تزال كفر قاسم تحيي ذكرى المذبحة كل عام، تعتقد سامية حلبي أن معرضها تعبير عن جزء مهم من نضال البلدة لإثبات وجود أهلها الفلسطينيين الذين فشل الاحتلال في اقتلاعهم بالقتل.

جانب من معرض رسومات توثيقية لمذبحة كفر قاسم (الجزيرة)

وفي السياق، يقول أستاذ الفنون في جامعة النجاح عصمت الأسعد إن سامية حلبي لم ترسم المذبحة كحدث عام، لكنها دخلت في دقائقها وملامح الشهداء وأسمائهم، وجسدتهم بصورهم التي يعرفها الناس.

وقال إن هذه واحدة من مهمات الفن أن ينقل الأحداث التاريخية المهمة للأجيال الجديدة، وأن يحولها من مجرد ذكرى إلى حدث حي في المخيلة.

وتعتبر سامية حلبي من أهم رواد الفن التجريدي المؤثرين في الحركة الفنية الفلسطينية والعربية، ومنذ السبعينيات سعت مؤسسات فنية عالمية لاقتناء أعمالها كمتحف سولمون جوجينهايم في نيويورك وأبوظبي، والمتحف الوطني للفنون بواشنطن العاصمة والمتحف البريطاني.

المصدر : الجزيرة