هاجس الإغلاق يؤرق المراكز الثقافية الخاصة بتونس

المركز الثقافي "سيني فوغ" بالعاصمة التونسية يواجه خطر الإغلاق (الجزيرة)
المركز الثقافي "سيني فوغ" بالعاصمة التونسية يواجه خطر الإغلاق (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

عندما قرر المخرج التونسي المنصف ذويب إطلاق مشروع ثقافي من تمويله الخاص بأحد الأحياء الشعبية في العاصمة تونس للاقتراب من الجمهور لم يكن يعتقد أن إكراهات الواقع المادية ستملأ طريق حلمه بالأشواك لتطيح بمشروعه الذي انطلق قبل عامين.

أصيب ذويب، الذي غطى الشيب رأسه بعد تجربة طويلة قضاها في العمل السينمائي وكتابة المسرحيات الساخرة، بخيبة أمل كبيرة فقرر إغلاق المركز الثقافي "سيني فوغ" ساخطا مما أسماه "غياب الشراكة مع وزارة الثقافة للحفاظ على ديمومة المشروع".

نزل خبر إغلاق هذا المركز الضخم، الذي يمتد على حوالي ألف متر مربع موزعة بين قاعة سينما تتسع لأربعمئة مقعد ورواق للفنون وفضاء مفتوح، كالصاعقة على عديد المثقفين والفنانين الذين تجمعوا، السبت الماضي، بهذا المركز للتعبير عن تضامنهم.

ويعتبر ذلك ضربة موجعة للثقافة وللمبدعين، ففي البداية كان هدف ذويب تقريب الأعمال الثقافية من عامة الناس، فأنفق الكثير لتشييد مركزه على أنقاض بناية تعود منذ 1948 لعائلة "لامبادرو" الإيطالية بمنطقة الكرم أحد الأحياء المتمردة على النظام السابق.

لكن اختلال توازناته المالية جعل هذا المخرج -الذي اشتهر بفضل نجاح العروض الفردية التي كتبها على غرار مسرحية "المكي وزكية"- يطلق صيحة فزع للفت أنظار الفنانين ووزارة الثقافة من مصاعب التسيير التي تواجهها مراكز الثقافة وقاعات السينما الخاصة.

المخرج التونسي المنصف ذويب تحدث عن "توجه خاطئ" من قبل الدولة في المجال الثقافي(الجزيرة)

توجه خاطئ
ورغم بروز العديد من المراكز الثقافية الخاصة إلى جانب دور الثقافة الحكومية خصوصا عقب الثورة، فإن الوضع لا يبدو مريحا بالنسبة لبعض مالكي هذه الفضاءات وقاعات السينما الخاصة جراء المصاعب المادية.

وعلى عكس أجواء الثمانينيات حيث كانت قاعات السينما تشهد انتعاشا حقيقيا بعدما تجاوز عددها المئة أغلبها في العاصمة، تغير الوضع نحو الأسوأ، إذ بدأت تلك القاعات تغلق الواحدة تلو الأخرى وتحول كثير منها إلى مطاعم أو محلات تجارية.

حول هذا تحدث ذويب عن "توجه خاطئ" من قبل الدولة في المجال الثقافي انطلق منذ تخليها عن الشركة التونسية للاستغلال والتوزيع التي كانت تحتكر الإنتاج والتوزيع لتصبح قاعات السينما ملكا للخواص فتغير صبغة بعض القاعات من النشاط الثقافي إلى التجاري.

وللحفاظ على المراكز الثقافية ودور السينما الخاصة التي يخشى أصحابها حاليا من اندثارها يقترح ذويب أن تستأجر وزارة الثقافة تلك الفضاءات لتقديم الأعمال التي تدعمها بأسعار تفاضلية، منتقدا الاقتصار على تقديم الأعمال في دور الثقافة الحكومية "المتردية".

ورغم أنه يقر بتلقيه دعما سنويا بقيمة 10 آلاف دولار منذ افتتاح نشاط مركزه الثقافي قبل عامين بالتزامن مع الدورة 26 لأيام قرطاج السينمائية لسنة 2015، فإنه ينتقد حجم دعم وزارة الثقافة الموجه إلى جميع المراكز الخاصة الذي "لا يتجاوز ثلاثمئة ألف دولار".

جانب من مشاركة بعض الفنانين والمثقفين للتضامن مع المخرج التونسي المنصف ذويب(الجزيرة)

أزمة عامة
وتقول هيفاء العياري، وهي مشرفة على دعم المراكز الثقافية الخاصة بوزارة الثقافة، إن الوزارة تضع بعين الاعتبار دعم جميع المراكز الثقافية الخاصة وإنها على استعداد لإضافة منحة استثنائية بقيمة عشرة آلاف دولار لمركز "سيني فوغ" حتى يتجنب الإغلاق.

وأضافت العياري في حديث للجزيرة نت أن الوزارة ستدعم هذا العام فتح مئتي مركز ثقافي خاص بمختلف الجهات، مؤكدة أن الدعم السنوي للتسيير الموجه لهذه المراكز يتراوح بين 2500 دولار وثلاثين ألف دولار، وذلك بالنظر إلى مقاييس عدة مثل حجم الاستثمار والمساحة وغيرها.

ورغم أن وزارة الثقافة تدعم سنويا بعض الأفلام الطويلة والأشرطة القصيرة فإنها لا تدعم ماديا قاعات السينما، وتوضح العياري أن الوزارة "لا تعطي دعما لكنها تستأجر دور السينما من الخواص في مناسبات عديدة مثل أيام قرطاج السينمائية".

ويقول المخرج التونسي ومدير الدورة الأخيرة لأيام قرطاج السينمائية إبراهيم اللطيف إن "القطاع الثقافي يعاني كثيرا من الأزمات ويحتاج إلى إصلاحات مسؤولة"، مؤكدا أن الأزمة التي يواجهها مركز "سيني فوغ" تنطبق على مراكز أخرى.

ويرجع اللطيف الأزمة التي تعانيها قاعات السينما والمراكز الثقافية الخاصة لقلة الإمكانيات وغياب البرمجة واحتكار التوزيع من بعض أصحاب دور السينما، مشددا على "ضرورة تفعيل الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص لتعزيز المشهد الثقافي وتطويره".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يعد فضاء "مسار" للفنون في العاصمة التونسية نموذجا للمراكز الثقافية في الأحياء الشعبية والتي تستقطب عددا من شبان هذه المناطق، حيث تغيب الحكومة عادة عن المشهد الاجتماعي والثقافي فيها.

افتتح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الخميس في تونس أعمال المؤتمر السنوي الثالث للعلوم الاجتماعية والإنسانية حول "أطوار التاريخ الانتقالية.. مآل الثورات العربية" و"السياسات التنموية وتحدّيات الثورة في الأقطار العربيّة".

نقل المركز الوطني التونسي للترجمة مقره الرسمي من قلب المدينة العتيقة بتونس العاصمة إلى شارع الحرية بالحيّ الأوروبي بحثا عن فضاءات أرحب، استعدادا لمشاريع جديدة في مشهد ثقافي متسم بالجدل.

أكد وزير الثقافة العراقي نوري فرحان الراوي في باريس أن قصور الرئيس العراقي السابق صدام حسين المئة والسبعين ستتحول إلى مراكز ثقافية ومعاهد بحث ومكتبات, وأكد الرواي ذلك خلال مؤتمر يستمر يومين ويناقش أساسا عمليات النهب المستمرة للتراث الثقافي العراقي.

المزيد من سينما
الأكثر قراءة