رسامة تونسية تحوّل بفمها مأساتها للوحات

خميس بن بريك-تونس

جالسة في سكينة تامة فوق كرسيها الآلي المتحرك أمام حامل خشبي ثُبتت عليه لوحتها الفنية، تغمس الرسامة هدى بن راضية ريشتها في وعاء صغير مملوء بألوان مائية لترسم بشفتيها الورديتين مشهدا يحاكي زوجين من الطيور الملونة على حافة بحر أزرق هادئ.

بين الفينة والأخرى، تتأمل الرسامة لوحتها بعينين ثاقبتين وراء نظاراتها الطبية، ثم تعيد غمس فرشاة الألوان لتمررها بفمها على ريش الطائرين، بينما تتدلى قدماها المشلولتان بأسفل كرسيها المتحرك، وأصابع يديها المنكمشتين خلف ظهرها المنحني ترتعش.

تبدو هدى بشعرها المشتعل بياضا وشيبا، ولباسها الأنيق المجركش بالأبيض والأسود، جميلة وموقرة وهي ترسم لوحتها خالية البال من نقاشات النواب في مبنى البرلمان، حيث تعرض للمرة الأولى خلال تجربتها جزءا من لوحاتها المستوحاة من الطبيعة ومن مشاهد مدينتها بنزرت (شمال).

وتجر الرسامة خلفها حملا ثقيلا من المآسي والأوجاع، غير أن البسمة لا تفارق وجهها الطفولي المشع بالإرادة والحياة. تقول هدى للجزيرة نت بلسان ثقيل ومتلعثم بالكاد جعله المرض ينطق بكلمات مفهومة "مهما كانت الإعاقة بإمكاننا دائما أن ننجح بشيء ما".

بعض أعمال الرسامة التونسية هدى بن راضية (الجزيرة)

فقدان الحركة
على خلاف إخوتها السويّات، تعرضت هدى عند ولادتها قبل 55 عاما إلى الإصابة بشلل كلي، سلب منها قدرتها على الحركة. لكنها تقول إنها علمت أن شللها كان بسبب جذبها بقوة من قدميها اللينتين من قبل "قابلة" بمستشفى بنزرت لأنها أخذت وضعا غير طبيعي ببطن والدتها.

بعد مضي أربعة أعوام على ولادتها بلا مشي ولا جلوس، نقلها طبيب محلي عام 1966 إلى مستشفى في فرنسا للعلاج على نفقة دولتها. تتذكر هدى جيدا أنها خضعت هناك طيلة 13 عاما لعمليات جراحية على يديها وقدميها وظهرها، مما مكنها من الجلوس وتثبيت رأسها.

وأثناء فترة علاجها أكد لها بعض الأطباء أنها كانت ستتمكن من المشي لو لم تصب قدماها بالاحتراق بالماء الساخن. ففي سن السابعة تعرضت لحادث عندما تركتها ممرضة لتستحم مع رفيقتها المعاقة ذهنيا، لكن الأخيرة فتحت الحنفية الساخنة فأحرقتها، وفق قول هدى.

وهذه المأساة جعلت هدى تقاوم بقلب مفعم بالإرادة. فقصتها مع الرسم بدأت من رحم المستشفى حيث كانت تتلقى في أعياد ميلادها بطاقات تهنئة مرسومة من فنانين معاقين، ثم أصبحت ترسم بشفتيها بطاقات تهنئة لتجمع مالا كافيا لمشاهدة التلفزيون (المؤجر) بغرفتها.

بداية المشوار
بعد عودتها إلى وطنها في سن السابعة عشر، بدأت هدى ترسم صورا أكبر وأجمل. وبفضل جهود سائحة أميركية أعجبت برسوماتها، ومساعدة رفيق دربها عزيب عبد الواحد رئيس ودادية قدماء تلاميذ معاهد بنزرت، تمكنت من تنظيم أول معرض لها عام 1988 بفضاء ثقافي.

عدد من أهالي مدينة بنزرت يرغبون في شراء لوحات هدى بن راضية بعد أن ذاع صيتها (الجزيرة)

يقول عزيب المشرف مع وداديته على تنظيم معارضها وبيع لوحاتها الفنية، إن "هذه المرأة لم تنحن قط أمام الظروف القاسية". ويضيف أن عددا من أهالي بنزرت أصبحوا يرغبون في شراء لوحاتها الفنية بفضل "ذيوع صيتها".

عقب وفاة والديها قبل أكثر من عقد، فقدت هدى سندا عاطفيا كبيرا جعلها تقرر العيش بمفردها بمنزل صغير اشترته من أموال كان يخبئه لها والدها من مبيعات لوحاتها، وذلك ضمن أنشطة جمعية ألمانية للرسامين بالفم والقدم أصبحت عضوا فيها منذ سنوات.

تعتني يوميا مُعينة منزلية بقضاء شؤون هذه الرسامة المقعدة بمقابل مادي، في وقت تستيقظ الرسامة مع بزوغ كل صباح باكر لاستكمال أعمالها في الرسم حتى مجيء الليل. وبسبب هذا النسق المرهق لم تعد هدى قادرة على رسم اللوحات التي تتطلب منها زمنا طويلا.

مجرد محاكاة
ويحظى هذا الجهد بتقدير رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين وسام غرس الله، الذي أكد أن الرسم لدى هدى بن راضية يُعتبر وسيلة للتعبير عن وجودها المتحدي لإعاقتها الجسدية. لكنه يقول للجزيرة نت إنه "لا يمكن الحديث حقيقة عن أبعاد جمالية بعملها".

ويوضح غرس الله أن عملها لا يعتمد على مقاربة فكرية مستمدة من علوم الفن وتاريخه وعلم الجمال، وإنما يندرج في إطار تقليد ومحاكاة مشاهد طبيعية مثل العصافير والأنهار والأزهار والجبال، وهو ما لا يمكن تقييمه بالمقياس الجمالي العلمي، بحسب رأيه.

بعد نجاح احتفالها قبل أيام بمعرضها الـ36 داخل مبنى البرلمان بالعاصمة تونس يشع أمل مشرق من وجه الرسامة المقعدة هدى بن راضية الحالمة بتوثيق قصتها بكتاب مخطوط بشفتيها.

المصدر : الجزيرة