رواية السيرة الذاتية.. جفاف المخيّلة أم خداع القارئ؟

هيثم حسين

تثير ظاهرة انتشار روايات السيرة الذاتية بعض التساؤلات عن الفن الروائي وقدرته على استيعاب مختلف الأجناس، وما إن كان مسعى الروائيين إلى الاتكاء على سيرهم يعكس حالة من جفاف المخيلة، أو انحسار القدرة على التخييل، وربما الرغبة في التعبير عن الذات واتخاذ حيواتهم نماذج مركزية يتمحور حولها العالم المحيط بها، وجعل الرواية تسمية فضفاضة يتم حشوها بالسير الواقعية والمتخيلة.

هل يكون الروائي اللائذ بسيرته متهرباً من ابتكار العوالم الذي قد يكون مرهقاً أحياناً، وباحثاً عن الاستسهال باعتبار أن مادته الروائية المستقاة من السيرة لن تحتاج إلى تحبيك وتخييل واشتغال؟ أم أنه يوسع من حدود الرواية ويفتح منافذ على حياته وعالمه من خلالها؟

هل يكون التوجه إلى تجنيس السير المضمرة في الروايات بغية التهرب من أية مساءلات مفترضة أم هي خدع الروائي الفنية التي من حقه استعمالها للإيهام والإثارة والدفع إلى النبش في ما وراء الأحداث والسير؟ هل رواية السيرة الذاتية كذب فني متخيل يتضمن صدقاً؟ أم هي وقائع صادقة بصيغ مكسوة بالكذب الفني؟

الكاتبة السورية هيفاء بيطار(الجزيرة)

سيرة مموهة
تذكر الروائية والطبيبة السورية هيفاء بيطار المقيمة بباريس في تصريح خاص للجزيرة نت عن التداخل بين السيرة والرواية أن المبدع يكتب سيرته الذاتية عادة في أواخر عمره، أما هي فحصل معها العكس؛ إذ كانت أول رواية تكتبها "يوميات مطلقة" سيرة ذاتية مُختصرة عن معاناتها مع المحاكم الروحية المسيحية التي حكمت عليها بالهجر سبع سنوات قبل الحصول على الطلاق".

كما تذكر أنها معجبة جداً بأدب السيرة الذاتية لأنه أكثر ما يُعبر عن حقيقة أفكار ومشاعر الكاتب والأهم رؤيته للعالم وللوطن وللألم. وتصف الكتابة بأنها مُخلّص من ألم الغربة، وأنها لو لم تكن تقضي جزءاً طويلاً من وقتها في باريس في الكتابة لكانت غرقت في اكتئاب حاد.

وبالإشارة إلى روايتها السيرية الأخيرة "الشحاذة"، تقول بيطار "دارت السنوات واشتعلت الثورة السورية، ووجدت نفسي في وضع مفروض علي، وهو البقاء لأشهر في باريس، التي أسميها عاصمة الوحدة في العالم، لأن كل أسرتي صارت في باريس وابنتي الوحيدة في بريطانيا.

ولأن السوري مُحاصر كأنه يعيش في قفص، تضيف بيطار، كان علي أن أتحمل بصبر فائق وأكثر من قدرتي على التحمل البقاء لأشهر في باريس كي أحصل على بطاقة الإقامة، وكي أتمكن من السفر.

وكنت أقضي معظم وقتي أكتب لساعات في مقهى "كافيه راي" رواية لم أكن أتبين ملامحها بعد، وكانت بطله الرواية تشبهني إلى حد بعيد، إذ أصب أفكاري ومشاعري فيها، وأجعلها تتكلم بلساني".

توضح بيطار أن جوهر روايتها "الشحاذة" التي سردت سيرتها هو الألم السوري والمأساة السورية. وتذكر أنها شعرت بنوع من الرضى حين أنهت الرواية، حيث تقول "هي بكل شفافية وصدق نوع من السيرة الذاتية المموهة، وأشعر بنوع من السعادة المُبطنة بحزن شفيف بأن روايتي الأولى والأخيرة تعبران عني، عن أفكاري ومشاعري، وأمازح نفسي إذ أقول رواية قبل الثورة السورية ورواية بعدها".

الروائي الجزائري الصديق حاج أحمد الزيواني(الجزيرة)

فخاخ السيرة
أما الروائي الجزائري الصديق حاج أحمد الزيواني، فيرى في تصريح خاص للجزيرة نت أن من الفخاخ التي لا ينجو منها الروائي المدعي للتخييل سقوطه غير المتعمد في دائرة اللاوعي، حتى باتت موضوعة تداخل التجنيس، بين السيرة الذاتية والرواية، من المواضيع التي أحدثت سجالا كبيرا عند النقاد، للحد الذي بتنا نشك في ذلك التجنيس، المكتوب على كل كتاب؛ أنه رواية.

ويلفت الزيواني إلى أن ثمة أمراً آخر يدخل في هذا الباب، وهو أن تداخل السيرة بالتخييل قد تفرضه أحيانا طبيعة الثيمة التي يتناولها الروائي، فكلما كانت الثيمة أقرب لبيئة وطفولة الكاتب، توقعنا -وبلا مواربة- ذلك الهروب اللاواعي من الكاتب لمحرابها، وهذا أمر منطقي، ولا يدعو للادعاء والزعم بنكرانه، كما يتقول بذلك عدد من الكتاب المدعين.

وبالحديث عن تجربته الروائية، واتكائه على سيرته الذاتية، يقول الزيواني "في تجربتي الروائية الأولى "مملكة الزيوان"، اتكأتُ على السيرة الذاتية لأمرين أساسيين، لا يمكن نكرانهما بأي حال من الأحوال؛ الأول: كونها التجربة الأولى في مجال كتابة الرواية، والثاني: بحكم ارتباط ثيمتها ببيئتي ومنشأ طفولتي، فوجدت نفسي منجذبا بوعي وبلا وعي، إلى ذلك المدخر الطفولي المرتبط بالنشأة.

الناقد التونسي عبد الدايم السلامي(الجزيرة)

وهم الصدق
أما في تجربتي الثانية "كاماراد – رفيق الحيف والضياع"، يقول الكاتب "لكون ثيمتها بعيدة عن المنشأ "أفريقيا ما وراء السافانا"، وجدتني متخيلا بالكامل، ولم أجد صعوبة بالمطلق في عدم استدعاء السيرة، لكون الموضوع عاريا عن أي خلفية ترتبط بالمكان المحفور في الذاكرة".

ويعتقد الناقد التونسي عبد الدائم السلامي أن ما يُجمع عليه دارسو رواية السيرة الذاتية، وعلى رأسهم الناقد الفرنسي فيليب لوجون، هو القول إن أهم ما يميز هذا النوع الروائي عن الرواية التخييلية هو كونه نصا عن حياة كاتبه، ومن ثَم تظل قراءتُه واقعةً في حيز صِدقِ ما فيه.

يضيف السلامي أن كُتاب السيرة الذاتية ونُقادها معًا تلاعبوا بذلك الصدق واستثمروه سبيلاً إلى تحقيق أمريْن في فعل القراءة: أولهما إقناع القارئ بصدقية ما يقرأ حتى يُسكتوا فيه سؤالَه عن جمالية المرويات وما قد يبدو فيها من ضعف سردي، وذلك بتعلة أن تلك المرويات إنما هي مطابقة لما وقع أصلاً، وأن كل ما يقع لا يكون بالضرورة ذا صياغة فنية، وثاني الأمريْن هو الاتكاء على مقولة الصدق لدس مغالطات في طبيعة الحدث وفواعله ومضمونه وأزمنته وأمكنته.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

مثلت تجربة الكاتب المغربي محمد شكري الأدبية مرحلة مهمة في تاريخ الأدب العربي المعاصر، إذ أحدثت ما يشبه الرجّة داخل العلاقة القائمة بين الأدب والواقع من ناحية، وخلخلت تقاليد كتابة السيرة الذاتية من ناحية أخرى.

يتكئ السوري عبد الرحمن مطر على جانب السيرة الذاتية في روايته "سراب بري" التي تصنف ضمن أدب السجون، إذ يتحرك في ظلال السجن وعتماته في أكثر من بلد، ليبيا وسوريا.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة