الشعر الشعبي يتسيد بالعراق والفصيح ينزوي

أحد تجمعات الشعر الشعبي بشارع المتنبي في بغداد (الجزيرة)
أحد تجمعات الشعر الشعبي بشارع المتنبي في بغداد (الجزيرة)

الجزيرة نت-خاص

قد يكون غريبا أن بلادا مثل العراق أنجبت بعضا من أعظم شعراء العربية قديما وحديثا، لم يعد لشعر الفصحى اليوم فيها حضور أو جمهور يذكر.

وأصبح عراق معروف الرصافي وبدر شاكر السياب ومحمد مهدي الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد، يتغنى ويعبر عن ذاته اليوم بلسان عاميّ بعد عقود على ظهور مدارس الشعر العربي الحديث فيه.

وصارت المنتديات الأدبية والشعرية تضج بشعراء العامية أو الشعر الشعبي من مختلف الأعمار، وبات لهم حضور كبير في وسائل الإعلام والحياة العامة، في وقت انزوى شعراء الفصحى خارج المشهد الأدبي مكتفين بجمهور محدود من نخبة ما زالت تتذوق فصيح الشعر بمختلف مدارسه.

يقول الشاعر الشعبي أحمد هادي إن الشعر العامي انتشر وتسيّد الساحة الأدبية والثقافية لأسباب عدة منها وجود الإنترنت والهاتف المحمول اللذين كان لهما الدور الأبرز في إبراز وتشجيع المواهب الشابة، وكذلك الأوضاع الأمنية التي يمر بها العراق، ولهذا صار الشاعر الشعبي متنفسا للبسطاء ومعبرا عن معاناتهم حيث يترك أثرا في كل فاجعة ينقل ويوثق أحداثها.

الشاعر أحمد هادي: الشعر الشعبي بات متنفسا للبسطاء ومعبرا عن همومهم ومشاكلهم (الجزيرة)

ويضيف هادي للجزيرة نت أن ما جذب الناس لهذا النوع من الشعر هو استخدام رواده مفردات قريبة للجمهور وبلغة تستخدمها جميع فئات المجتمع، لكنه يلقي باللائمة أيضا على بعض شعراء الفصحى.

ويعتبر أن شعراء الفصحى يعانون من عدم الفاعلية واقتصار اهتمامهم على طباعة دواوينهم فقط أو المشاركة في المهرجانات الخارجية، مضيفا أن "أغلب أوزان الشعر الشعبي تتشابه مع الشعر الفصيح، ولذلك نرى الكثيرين يكتبون الشعبي والفصيح معا، وهناك نوع من النظم يسمى الملمع يمزج بين الفصيح والشعبي في البيت الواحد".

عدم التعقيد
ومع تراجع حضور الفصحى في المشهد الثقافي العراقي، برزت أسماء لرواد الشعر الشعبي مثل كاظم إسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف ومظفر النواب "الذي يكتب بالفصحى أيضا".

ويرى الشاعر مصطفى القيسي أن انكفاء معظم الشباب عن القراءة أو متابعة النتاجات الأدبية الحديثة ساهم في تقليل أعداد المتفاعلين مع الشعر الفصيح، وتركزه غالبا على النخب وجماهيرهم.

ويؤكد القيسي أنه ما زال لشعر الفصحى متابعون ومهتمون يتفاعلون معه على مواقع التواصل الاجتماعي غالبا، حيث يسجل الشعر الفصيح وجوده بصفحات مهتمة بالشعراء القدامى والمحدثين، الذين يستخدمون أنماطا مختلفة من اللغة وأساليب تمزج بين القديم والجديد.

جانب من أحد المهرجانات الفنية التي يشارك فيها الشعراء الشعبيون بقوة (الجزيرة)

ويعلل نزوع الغالبية من العراقيين نحو هذا النوع من الأدب بأن "السواد الأعظم من المجتمع هم من البسطاء الذين تستهويهم انسيابية الكلمة في الشعر الشعبي لسلاستها وسهولة استيعابها، ولأنه لا يختلف عن اللهجة المتداولة وإنما ينبع منها"، لذلك نجد هواته ومتذوقيه كثرا حيث البساطة وقلة الغموض وسهولة الحبكة المعهودة في العامية، على حد وصفه.

الهجرة من الريف
وللموضوع أسباب أخرى حسب أستاذ اللغة العربية في معهد الفنون الجميلة في بغداد سيف غانم الذي يرى أن هذه "الفورة" التي يعيشها الشعر الشعبي وتكبر يوما بعد آخر أسهمت فيها زيادة هجرة سكان الريف نحو المدينة لا سيما بعد عام 2003.

ويعتبر أن هؤلاء المهاجرين هم في الجملة من عشاق الشعر الشعبي وهواته، وينقلون تقاليدهم الأدبية معهم ويقيمون المسابقات الشعرية في مناطقهم الجديدة، إضافة إلى الدعم الكبير والتسهيلات الممنوحة من قبل جميع المؤسسات الإعلامية، التي تقيم مهرجانات كبيرة ومسابقات ترصد لها جوائز ضخمة.

ويرى غانم أن الإقبال على الشعر الشعبي والاشتغال به قد أصبح "موضة" لدى الكثير من الشباب، ومعظم هؤلاء يعانون من "قلة الوعي والثقافة".

ويعتبر أن الوسط الثقافي العراقي يحتاج اليوم إلى حملة لإعادة الاعتبار للغة العربية الفصحى وآدابها في وسائل الإعلام، وقبل ذلك في المناهج التربوية التي أصبحت تخرج أجيالا ضعيفة اللغة وغير قادرة على تذوق التراث الشعري العربي كما كان يفعل أجدادهم، على حد قوله.

المصدر : الجزيرة