أبو العجب.. حارس الحكاية الفلسطينية

الحكواتي أبو العجب مع صندوق الحكايات في أحد عروضه (الجزيرة)
الحكواتي أبو العجب مع صندوق الحكايات في أحد عروضه (الجزيرة)
ميرفت صادق-رام الله

"قصصي حكاياتي.. لن أسمح لأحد بسرقتها"، هكذا صاح "أبو العجب" والتصق بصندوقه المزركش على مسرح للأطفال بمدينة البيرة وسط الضفة الغربية خوفا على ما في جعبته من قصص يرويها منذ خمسين عاما.

"أبو العجب" شخصية فنية يمثلها الحكواتي الفلسطيني عادل الترتير، الذي عُرف لسنوات طويلة في المسرح الفلسطيني، قبل أن يبدأ بالتنقل مع صندوق ملّون يعرض من خلاله قصصا محكية ومصورة للصغار والكبار مستوحاة من روايات تاريخية كسيرة "أبو زيد الهلالي" و"الزير سالم" والأميرة ذات الهمة وغيرها.

وعوضا عن التجسيد التقليدي للحكواتي الذي كان يتصدر مجلسا للرجال ويقص عليهم سيرا من البطولات التاريخية، يتنقل أبو العجب في مناطق ومناسبات مختلفة ليبث الرواية بين الأجيال الفلسطينية.

عادل الترتير يجسد شخصية أبو العجب في تجربة بدأت قبل نحو خمسين عاما (الجزيرة)

مسرحي مبكر
ولد الترتير في مدينة رام الله عام 1951، وشارك بعد حرب 1967 في تأسيس أول فرقة مسرحية فلسطينية باسم "فرقة بلالين" قدمت نحو عشرة أعمال مسرحية خلال خمس سنوات منها "العتمة" و"قطعة حياة" و"نشرة أحوال الجو".

ثم ساهم في تأسيس فرقة مسرح صندوق العجب عام 1975، وكان عملها الأول بعنوان "لمّا انجنينا"، وقدمت عروضا لاقت مضايقات كبيرة من الاحتلال الإسرائيلي أهمها منع المسرحيات ووقفها بسبب رفض المسرح تقديم عروضه بموافقة مسبقة من الاحتلال.

وكان الترتير من أوائل المسرحيين الفلسطينيين الذين قدموا المونودراما (المسرح الذي يعتمد على ممثل واحد) وقدم فيها مسرحية "راس روس" عام 1980.

ويروي أبو العجب قصة صندوق الحكايات الذي ورثه عن جده منذ عهود قديمة، فيقول إن جده كان حكواتيا في العهد العثماني يرفّه عن الناس، لكن العساكر كانوا يلاحقونه لتجنيده ويرفض ذلك إلى أن يموت في سجنه.

ويرث الصندوق بعد ذلك والده في مرحلة الانتداب البريطاني لفلسطين، واعتقد أنهم سيسمحون له برواية حكايات والده، لكنهم طاردوه، فصار يصل إلى الناس متخفيا حتى وقعت النكبة وهُجّر مع صندوقه وعائلته خارج بلده.

وجاءت نكسة 1967 واحتلوا كل البلاد، وكبر أبو العجب وورث الصندوق عن والده وجده، لكنه أيضا كان يدرك أن الاحتلال الإسرائيلي يحارب حكاياته ويمنعها.

أبو العجب في أحد عروضه الحكواتية (الجزيرة)

حفظ التاريخ
يقول أبو العجب إن الشعب الذي لديه رواية يكون أقوى لأن القصص والحكايات تربطه بتاريخه وبأرضه وتحفظ حقه فيها، وهذا ما ترجمه في حكاية رمزية للأطفال حول "الذهاب إلى القدس" حيث منعه الاحتلال -الذي سماه "العصابة"- من الدخول عبر حاجز قلنديا.

واستهزأ الجنود بحكاياته واعتبروها كذبا، لكنه انتصر عليهم عندما قرر أن يروي لهم حكاية من ذاكرة والدته، ويقول "كنت أحكي القصة والعصابة تصغر وتصغر حتى صارت غبرة واختفت".

وبدأ أبو العجب بتجسيد شخصية الحكواتي مع صندوقه المتنقل بعيدا عن المسرح التقليدي منذ عام 1993، وعرض من خلاله قصصا مصورة يستطيع الأطفال مشاهدتها عبر نوافذ زجاجية تمر من أمامها الرسوم.

وقدم تجربته في ورشات عمل لفنانين عرب في الشارقة والقاهرة وتونس والجزائر والخرطوم، ويسعى إلى تطويرها بالتعاون مع الهيئة العربية للمسرح من خلال التدريب على مهنة الحكواتي وبناء الصندوق والسرد القصصي.

الحكواتي أبو العجب يسعى لتطوير فكرة صندوق الحكايات (الجزيرة)

مزاحمة الإنترنت
ويشتهر أبو العجب بلباسه المزركش وقبعته وحذائه الكبيرين، التي يصنعها بنفسه، وحتى بشاربه الكثيف الذي يخدم شخصية الحكواتي وصندوقه، ويقر بأن اندماج الناس في العروض الفنية الحديثة وشغفهم بالإنترنت صار يزاحم روايته التراثية وأسلوبها.

لكنه يسعى إلى إنشاء صندوق "عملاق" كما سمّاه، ويمتد عرضه لسبعة أمتار ويتميز بنوافذ عرض ضخمة، وعوضا عن الاستعانة بشريط مصور للقصص، يقدَّم العرض ممثلون يمرون خلف نوافذ الصندوق ويجسدون القصة بصورة حية.

ويقول إنها فكرة تسعى إلى بناء فن مسرحي فلسطيني جديد يستند إلى تجربة الحكواتي التقليدية لكنه أكثر حداثة.

المصدر : الجزيرة