أغاني الراب بالعراق.. رسائل سياسية بقالب فني

الجزيرة نت-خاص

لم يعد غريبا أن تشاهد شبانا عراقيين معظمهم في أعمار صغيرة، يتحلقون حول مغنين يقدمون فنا لم يكن مألوفا في الساحة المحلية حتى وقت قريب.

إنهم مغنو "الراب" الذين بدؤوا ينتشرون في الجامعات والمتنزهات والأماكن العامة، بهيئاتهم وملابسهم التي تميزهم في الغالب، وآلاتهم الموسيقية الغربية، وأغانيهم التي تقدم نقدا قويا للواقع العراقي المتدهور سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

ما زال البعض يعتبرهم شبابا "طائشا غير متزن"، لكنهم يفضلون أن يعرفوا أنفسهم كمتمردين على الكثير من التقاليد والتصورات التي يعتبرون أنها أصبحت من الماضي.

ما زال البعض يعتبرهم شبابا "طائشا غير متزن"، لكنهم يفضلون أن يعرفوا أنفسهم كمتمردين على الكثير من التقاليد والتصورات التي يعتبرون أنها أصبحت من الماضي

يقول مغني الراب أحمد جاسم (23 عاما) -الذي يعرف بين أقرانه بـ"أحمد تروي"- إن "كل واحد ممن يمارسون هذا الفن لديه هدف يريد إيصاله، ورغم أن البعض يستخدمه بشكل خاطئ فإن أكثرهم يعتبرونه وسيلة رفض ورسالة احتجاج على الكثير من الممارسات الخاطئة التي تمزق نسيج المجتمع العراقي وتبث الفرقة بين أبنائه".

ويشير جاسم إلى أن معظم جمهورهم هم من فئة الشباب الصغار، لكن بعض كبار السن بدؤوا يتابعونهم ويشيدون بأعمالهم، مؤكدا أن رسالته الحقيقة التي يقدمها من خلال أغانيه هي "محاربة الطائفية" التي هي سبب كل مشاكل العراق، على حد قوله. 

مناطق شعبية
ورغم أن هذا النوع من الغناء ينتشر في بغداد ويضم أكثر جمهوره فيها، إلا أنه بدأ يجد طريقه في مناطق خارجها ولا سيما المحافظات الجنوبية، كما يقول المغني والشاعر مصطفى -الملقب بـ"مستر ميشو".

ويقول مصطفى إن القصائد التي تغنى مع الراب هي شعبية، ومعظم من يكتبونها هم المغنون أنفسهم، وهي قصائد من النوع المقفى لكنها تفتقر للوزن.

وقد بدأت بعض الفرق المحلية تحوز شهرة كبيرة ويتابعها الكثيرون، لكن أكثرها سرعان ما يتفتت بسبب المشاكل والخلافات الداخلية كما يؤكد مصطفى للجزيرة نت، حيث إن معظم المغنين يبحثون عن البدائل باستمرار "لرغبتهم في تطوير نفسهم والوصول إلى أكبر عدد من المتابعين".

ورغم ما يبدو ظاهرا من أن هذه الفرق قد تكون مرتبطة محليا بالفئات الغنية أو التي تلقت تعليما حديثا في المجتمع، فإن مصطفى يقول إن معظم جمهورهم هم من الفقراء وفي المناطق الشعبية، وهم يعانون من نظرة المجتمع إليهم بتعال وعدم تقدير، ولا سيما من كبار السن والنقاد الفنيين الذين لا يؤمنون بوجود فن خارج القواعد الغنائية المألوفة، على حد قوله.

تحولات اجتماعية
وقد شهد العراق بعد 2003 الكثير من التحولات الاجتماعية والثقافية في مجالات مختلفة، بعد الانفتاح الإعلامي الكبير الذي عاشه، والصراعات السياسية والمذهبية والفكرية التي باتت سمة مألوفة تميز الحياة العامة فيه.

أحمد تروي: كل من يمارس الراب لديه رسالة يريد إيصالها (الجزيرة نت)

ويعتقد الباحث الاجتماعي سعد ياسين أن هذا النوع من الغناء هو محاولة لكسر النمط المألوف من الموسيقى المحلية الكلاسيكية والتي باتت غير مرغوبة لدى بعض الشباب اليوم، ولا سيما مع الانفتاح على ثقافات موسيقية لشعوب أخرى من خلال وسائل الإعلام المختلفة.

ولا يرى ياسين أن هذا النوع من الغناء هو تمرد بالضرورة، بقدر ما قد يكون تجارب لشباب يبحثون عن ثقافات جديدة، بعدما سئموا نمط الحياة الخاص بهم وما يرتبط به من مشاكل وأزمات.

ويضيف للجزيرة نت أن تأثير هذه الأغاني على الذوق العام قد يكون محدودا بس بسبب قلة أعداد ممارسيها ومتابعيها مقارنة مع غيرها من أنماط الغناء، بالإضافة إلى استهجان غالبية العراقيين لها لاعتبارها دخيلة على المجتمع و"مدمرة للذائقة الموسيقية المتزنة".

ويلفت ياسين إلى أن هذا النوع من الأغاني بدأ ينتشر في أماكن توصف بـ"المحافظة" مثل مدن الفرات الأوسط والجنوب وبعض أحياء بغداد، مشيرا إلى أن "الطائفية" مفهوم أكبر من أن تحطمه موسيقى معينة، لكن هذه الأغاني قد تمثل رفضا لممارسات بعض الأحزاب الدينية التي أذاقت المواطن البسيط الأمرّين حسبما يعتقد البعض.

المصدر : الجزيرة