أسئلة الدين والسياسة بمؤتمر دولي حول الترجمة

إحدى جلسات اليوم الثاني تناولت إشكالات الترجمة الفلسفية والدينية (الجزيرة)
إحدى جلسات اليوم الثاني تناولت إشكالات الترجمة الفلسفية والدينية (الجزيرة)

المحفوظ فضيلي-الدوحة


كانت قضايا الدين والسياسة حاضرة بقوة في نقاشات اليوم الثاني والأخير من المؤتمر الدولي الثالث حول "الترجمة وإشكالات المثاقفة" الذي انطلق أمس في العاصمة القطرية الدوحة بمشاركة نخبة من خبراء الترجمة والباحثين والجامعيين من مختلف أنحاء العالم العربي ومن بعض البلدان الأوروبية.

وتناول المتحدثون اليوم في المؤتمر -الذي ينظمه منتدى العلاقات العربية والدولية- بعض الملامح الإشكالية في الترجمة الفلسفية والدينية من خلال تجارب ثلاثة من أعلام الفكر العربي المعاصر هم المصري عبد الرحمن بدوي (1917-2002) والسوري جورج طرابيشي (1939-2016) والمغربي طه عبد الرحمن (1944).

وأسهب الجامعي المغربي مولاي يوسف الإدريسي في عرض مساهمات بدوي الغزيرة المتمثلة في ترجمة عشرات المؤلفات الفلسفية من العصور القديمة والحديثة، خاصة العصر اليوناني والأزمنة المعاصرة، وبمختلف اللغات العالمية وبينها اللاتينية واليونانية والفرنسية والإنجليزية.

وخلص المتحدث إلى أن مشروع بدوي يمثل تجسيدا حقيقيا للتصور الذي يعتبر الترجمة بوصفها عملية مثاقفة وانفتاح على ثقافة الآخرين وعلى مكتسبات العصر والمثاقفة، وأشار إلى أنه جعل من الترجمة والتأليف مسألة حياة حيث رهن كل وقته للتحصيل والتأليف والتدريس في عدة بلدان.

تجربة طرابيشي كانت موضوع نقاش بمؤتمر الترجمة بالدوحة (مواقع التواصل)

حضور الأيديولوجيا
وتناول الأكاديمي الجزائري قدم الزواوي بغورة تجربة طرابيشي في "الترجمة والنقد ونقد العقل العربي" ولاحظ هيمنة البعد الأيديولوجي سواء في تصوره للترجمة وتاريخها وفيما أنجزه من ترجمات وما خاضه من مطارحات فكرية مع المفكر المغربي الراحل محمد عبد الجابري.

ودحض الزواوي تصورات طرابيشي التي تقول إن حركة الترجمة العربية التي ازدهرت في "بيت الحكمة" خلال عهد الخلفية العباسي انحسرت في القرون القليلة اللاحقة، وتعرضت لما سماه "تصفية تاريخية" و"إبادة شاملة" وهو ما مهد الطريق في نظره لتراجع النزعة العقلانية ولحلول كارثة الانحطاط.

وفي الترجمة من العربية للغة الآخر، عرضت الباحثة المغربية فدوى الهزيتي تجربتها في ترجمة كتاب طه عبد الرحمن "الحوار أفقا للفكر" إلى الإسبانية وما ينطوي عليه ذلك المشروع من صعوبات لغوية ومفاهيمية ،وما قد يفتحه من آفاق حوار مع المتحدثين بلغة سيرفانتيس في نحو 18 بلدا.

وفي مجال معرفي قريب، تناولت الباحثة المغربية آمنة عراقي مشروع ترجمة المعجم الصوفي إلى الإنجليزية والفرنسية وما يتطلبه من معارف نظرية في مجال التصوف ومن مهارات وكفاءات لغوية وفنية، وتوقفت عند بعض المفاهيم ذات الخصوصية الدينية والثقافية وصيغ نقلها إلى متلقين ذوي خلفيات ثقافية وروحية مختلفة تماما عن البيئة الإسلامية.

الديداوي: للترجمة علاقة حميمية بالدين والقرار السياسي (الجزيرة)

تقارب وصراع
وفي مداخلة بعنوان "دور الدين والسلطة في التعارف والتثاقف بالترجمة" قال الأكاديمي وخبير الترجمة المغربي محمد الديداوي إن للترجمة علاقة حميمية بالدين والقرار السياسي، وقدم نماذج من التاريخ وتحديدا في ترجمة الإنجيل، وخلص إلى أن الترجمة لم تؤد دائما إلى الائتلاف ولم تساعد دوما على التقارب بين الثقافات.

وفي نفس الإطار، لاحظ الباحث المصري أحمد البهنسي حضور الإسقاطات السياسية في الترجمات العبرية الحديثة لمعاني القرآن الكريم، وذلك من خلال عدة نماذج مشددا في ختام بحثه على الحاجة إلى إنجاز ترجمة عبرية للقرآن الكريم بكوادر عربية ومسلمة من أجل تقديم صورة صحيحة لمضمون المصحف الشريف.

وفي اليوم الأول للمؤتمر، تداول المشاركون في إشكالات أخرى متعلقة بالترجمة الأدبية وما يعتريها أحيانا من أغلاط وأوهام وعثرات بسبب ضعف الإحاطة بالعربية وقواعدها وأساليبها أو قصور المترجمين في الإحاطة باللغات والثقافات التي يترجمون عنها.

وشهدت بعض الجلسات ذلك اليوم نقاشات ثرية قاربت العلاقات بين الترجمة والمثاقفة من زوايا الصراع والهيمنة والسلطة التي تتحكم في أحيان كثيرة بعملية الترجمة في العديد من السياقات السياسية والثقافية.

المصدر : الجزيرة