عرب الغونكور.. لسان واحد وقضايا مختلفة

الطاهر بنجلون (يمين) كان أول عربي يفوز بغونكور قبل أن يليه أمين معلوف (1993) وليلى سليماني هذا العام (وكالات)
الطاهر بنجلون (يمين) كان أول عربي يفوز بغونكور قبل أن يليه أمين معلوف (1993) وليلى سليماني هذا العام (وكالات)

المحفوظ فضيلي-الدوحة

اكتست جائزة الغونكور الفرنسية هذا العام طابعا عربيا للمرة الثالثة في تاريخها العريق (تأسست عام 1903) ونالتها ليلى سليماني، وهي كاتبة مغربية في بداية مشوارها الإبداعي اختارت التفرغ كليا للإبداع الأدبي بعد نحو خمس سنوات من العمل في عالم الصحافة.

نالت سليماني (35 عاما) تلك الجائزة عن رواية "أغنية هادئة" التي يوحي عنوانها بقصة رومانسية لكن مضمونها غير ذلك، إذ تدور حول جريمة قتل ترتكبها المربية "لويز" في حق طفلي المحامية "مريم" التي كلفتها برعايتهما.

على خلفية ذلك الحادث، تنطلق الكاتبة في سبر أغوار الذات الإنسانية وما تحفل به من أعطاب ومناطق معتمة وجوانب مظلمة، خاصة أن المربية أبدت في البداية ارتباطا وثيقا بالطفلين ولم يصدر عنها ما ينذر بما تضمره لهما من مشاعر بغيضة انتهت بقتلهما عمدا.

استوحت الكاتبة موضوع روايتها من ماضيها الشخصي وتحديدا طفولتها، إذ كان للمربيات حضور طاغ في كنف أسرتها الميسورة في المغرب، وعاد الموضوع إلى حياتها وهي أم لطفل حين وجدت نفسها مضطرة إلى الاستعانة بمربية أطفال للاعتناء به في غيابها.

الكاتب اللبناني أمين معلوف فاز بالغونكور عام 1993 عن رواية صخرة طانيوس

هموم عربية
باستثناء هذا البعد الذاتي والاسم العربي للمؤلفة، تكاد الرواية تكون خالية من أي خلفية تحيل إلى العالم العربي وثقافته وتاريخه ومشاكله، كما هو دارج في أعمال جلِّ الأدباء العرب الذين اختاروا لغة موليير في الكتابة، فجاءت أعمالهم مترعة بأسئلة الهوية والانتماء والدين والتاريخ.

وكانت هذه الإشكاليات حاضرة بقوة في حالتي الكاتبين العربيين الذين سبقاها في التتويج بجائزة كونغور، وهما: اللبناني أمين معلوف (1993) عن رواية "صخرة طانيوس" والمغربي الطاهر بنجلون (1987) عن رواية "ليلة القدر".

وتصور "صخرة طانيوس" قصة الفتى المسيحي طانيوس وحياته في ضيعة كْفَرْيَقْدا وما يروج من إشاعات حول هوية والده الحقيقي، وصراع القوى الكبرى (الإمبراطورية العثمانية ومصر وإنجلترا) في منتصف القرن التاسع عشر للسيطرة على الجبل اللبناني.

والأمر نفسه ينطبق بشكل ما على "ليلة القدر" التي تمتح مادتها من صلب المجتمعات العربية الإسلامية، وتروي قصة فتاة ولدت لرجل لا ينجب إلا البنات فيقرر أن يقدمها لأهلها على أنها ولد ذكر اسمه "أحمد"، ويقوم بكل ما يستدعيه ذلك الموقف الحرج للإبقاء على ذلك السر دفينا إلى أن يحين أجله فيبوح لابنته بكل شيء.

وبوفاة الأب، تستعيد الفتاة أنوثتها وتدفن مع والدها كل الوثائق المتعلقة بها، وتبدأ حياة مليئة بالتقلبات والمحن تتعرض خلالها للاختطاف وترتكب جريمة قتل في حق عمها وتدخل السجن قبل أن تقودها الأقدار إلى "زاوية" وتصبح امرأة "مباركة".

الكاتب المغربي الطاهر بنجلون فاز بالغونكور عام 1987 عن رواية "ليلة القدر"

العروي والآخرون
وقبل تتويج ليلى سليماني كانت الجائزة قاب قوسين أو أدنى من العودة لأحد الكتاب العرب، إذ وصل الكاتب التونسي هادي قدور العام الماضي إلى قائمتها القصيرة عن روايته "المهيمنون"، وهي  جدارية طويلة تروي فصولا من الحقبة الاستعمارية في بلدان شمال أفريقيا وبعض أوجه الصراع في المنطقة بين القوى الخارجية.

وفي عام 2014 كان الكاتب الجزائري كمال داود مرشحا بقوة للفوز بالجائزة، إذ اختارت الأكاديمية المانحة لها في لائحتها القصيرة روايته المثيرة "ميرسو تحقيق مضاد" المستوحاة من رواية "الغريب" للكاتب الفرنسي ألبير كامو، والتي تستعيد بعض أجواء فترة استعمار فرنسا للجزائر.

وخارج دائرة الرواية -وهي الفئة الرئيسية لجائزة الغونكور والتي تعتبر مرادفا لها- كان للعرب موعد معها في فئات أخرى، حيث فاز بها الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي في فئة الشعر عام 2009 عن مجمل أعماله الشعرية، ونالها مواطنه فؤاد العروي في فئة القصة القصيرة عام 2013 عن مجموعته "القضية الغريبة لسروال داسوكين".

المصدر : الجزيرة