الخروج من حالة الفزع الثقافي

تصميم صورة مقال ثقافي للكتاب علي البتيري

علي البتيري*

قبل الدخول إلى حالة الفزع الثقافي التي تصيب المثقفين العرب تحت وطأة هذه الصراعات العرقية والطائفية الدامية التي تجتاح مساحات واسعة من الوطن العربي، تحضرني واقعة ذلك الرجل العجوز الذي كان يعيش في قرية شمال سورية، وكانت قريته تتعرض لمداهمات الذئاب ليلا، حيث كانت هذه الضباع تنتقي فرائسها من أجساد سكان القرية واحدا تلو الآخر، مما جعل الرعب يتسلل إلى نفوس أطفال القرية، فيصابون بحالة من الفزع الليلي يفوق الفزع الذي يتلبس آباءهم وأمهاتهم بكثير.

لاحظ الرجل العجوز الفزع في عيون أطفال القرية، فامتشق عصاه وصمم على مواجهة الضباع، وبعد صراع معها تمكن من أسر ثلاث ضباع قام بتكبيلها وربطها بالحبال، وقادها إلى ساحة القرية في وضح النهار، وكأنه يريد أن يقول لأهل قريته المضبوعين بأن الخروج من حالة الفزع يتطلب الشجاعة والتصميم على مواجهة الخطر الداهم.

قهر الخوف
أخد أهل القرية يتساءلون قائلين: إذا كان هذا العجوز الذي زاد عمره على 72 عاما قد قام بأسر ثلاث ضباع مفترسة، فكيف بشباب القرية إذا ما امتلكوا شجاعته وتصميمه على التصدي بجرأة لتلقين الضباع درسا؟!

المثقفون العرب وجدوا أنفسهم محاصرين ومداهمين بثقافة هجينة ومرعبة تطرح نفسها عليهم بكل معطياتها ومخرجاتها الدامية والقائمة على التعصب الإقليمي والديني، ومثقلة بصدامات ونزاعات طائفية متصاعدة

وهكذا وجد أهل القرية أمام هذا المشهد الرائع أن لا حاجة ولا داعي للخوف من الضباع، إذا ما ظهر في وجهها رجال القرية كالأسود.

رأيت أن أستذكر هذه الواقعة التي حدثت بالفعل وتناقلتها الصحف ووسائل الإعلام الأخرى ذات يوم في مستهل الحديث عن حالة الفزع الثقافي التي أصابت نفوس وعقول المثقفين العرب، وقد وجدوا أنفسهم محاصرين ومداهمين بثقافة هجينة ومرعبة تطرح نفسها عليهم بكل معطياتها ومخرجاتها الدامية والقائمة على التعصب الإقليمي والديني، ومثقلة بصدامات ونزاعات طائفية متصاعدة لم يكن يتوقعها مثقف عربي واحد.

هذه الثقافة المستجدة بنظرياتها وتوجهاتها ذات النزعة الدكتاتورية المسلحة، لم تتصادم مع الثقافة العربية السائدة فحسب، وإنما زرعت الخوف والقلق المتصاعد يوما بعد يوم في وجدان المثقف العربي، وأربكت وعيه وأفقدته القدرة على المواجهة. بل وصل الخوف عنده إلى درجة الفزع الذي أصبح مرافقا له كظله، كلما مد خطوة على الطريق.

بعض المثقفين العرب آثروا الصمت ودفن أقلامهم في الرمال الساخنة، والبعض الآخر ضاق بحمل المواجهة الثقيل، ففضل التراجع واختار لنفسه الجلوس في المقاعد الخلفية في أي قاعة يمكن أن يجري فيها البحث عن باب للخروج من هذا الوضع المريع الذي ابتليت به أمتنا المغلوبة على أمرها، وحالها حال مثقفيها الذين يبدون في معظمهم كالمضروبين على رؤوس أقلامهم.

نعود إلى حالة العجوز القروي الذي أسر الضباع وجمع عليها أهل قريته المضبوعين، ونستذكر إلى جانب هذه الحكاية قصة الكاتب الأميركي الذائع الصيت إرنست همنغواي الموسومة بـ"العجوز والبحر"، والتي يصف فيها صراع رجل عجوز في البحر مع سمكة قرش مفترسة بتفوق ينتصر له الكاتب.

حزم فكري
لا نستحضر المثالين لمجرد الإعجاب بموقفي العجوزين القويين، وإنما لنطرح إمكان أخذنا للدرس والعبرة من هذين الموقفين ليكون لمثقفينا على طول الوطن العربي وعرضه موقف آخر يتسم بالحزم الفكري والتصميم الثقافي على التصدي لهذا الواقع المر والمؤلم بكل جرأة وشجاعة، وبإرادة متسلحة بالحكمة همها الدفاع عن منجزات ومكتسبات الثقافة العربية التنويرية.

المثقفون ناهضوا الأفكار والرؤى الظلامية الداعية إلى التجزئة والانقسام والتصادم، والمؤدية لتشرذم المجتمع العربي الواحد وتدمير قواه وبناه الحضارية بشكل يقود إلى الانهيار وإلغاء الهوية

لقد ناهض المثقفون الأفكار والرؤى الظلامية الداعية إلى التجزئة والانقسام والتصادم، والمؤدية إلى تشرذم المجتمع العربي الواحد وتدمير قواه وبناه الحضارية بشكل يقود إلى الانهيار وإلغاء الهوية العربية الإسلامية، مما يخدم أعداء هذه الأمة ويسهل لهم السيطرة عليها ونهب مقدراتها وثرواتها، حين تصبح في مهب الرياح المتعددة الجنسيات.

للخروج من حالة الفزع الثقافي هذه لا بد من مبادرة ثقافية ما تتسم بالجرأة والبسالة، وتفتح عيون المثقفين العرب على ما يمتلكونه من أسلحة وعي وإرث فكري عريق، ومن إرادة صلبة تستمد صلابتها من مخزون ثقافي هائل لو عملنا على استنهاضه وتوظيفه لتمكنّا من فتح أكثر من باب متاح للخروج من هذه الحالة البائسة والمعبأة بالخطورة إلى حد بعيد.

والسؤال الذي يطرح نفسه: من سيبادر إلى قرع جرس المواجهة والتصدي، وبالأحرى من سيعلق الجرس من المثقفين العرب؟

المطلوب ليس مبادرة مثالية حالمة تتجاوز الواقع المتردي دون أن تعمل معولها فيه، وليس مبادرة متأففة ومتشائمة تتحصن بالموروث وتغلق بابه عليها متلصصة من ثقوبه وشقوقه دون أن يكون في وسعها فعل شيء.

المطلوب مبادرة ثقافية جسورة -أو أكثر- تنتصر لمبادئنا القومية الوحدوية وتتصدى لكل ما يشوهها أو يؤذيها، والكرة الآن في مرمى الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.
________________

* كاتب وشاعر فلسطيني

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لم يعد الصيد الثقافي الحرام مقصورا على سرقة وانتحال كتابات أدبية إبداعية, وإنما تشعب واتسعت دائرته لتشمل البحوث والدراسات والإنجازات العلمية

لا يقل صيادو الثقافة والإبداع في غابة الإنترنت خطورة على المجتمع وثقافته من جماعات السطو على المواقع الإلكترونية بقصد تعطيلها أو نهب محتوياتها (الهاكرز)، بل هواة الصيد الثقافي أشد خطورة.

Published On 7/4/2015
علي البتيري : لابد من التكلم مع الغرب بلغته، ولابد من تنشيط حركة الترجمة لآدابنا وفنوننا لنقول للعالم: هؤلاء نحن وهذه هي حضارتنا التي أنارت عصورا مظلمة

الحديث عن وسائل حماية وتحصين ثقافتنا العربية من غزو الثقافات الأخرى لا يتوقف، وسبيل البحث في هذا الموضوع ما زال جاريا، ويفيض بالاقتراحات والاجتهادات للتصدي لهذا الداء الثقافي القديم الجديد.

Published On 12/6/2015
الفنان السوري سميح شقير ف يغني في تظاهرة" وطن يتفتح في الحرية" في الدوحة

إضافة إلى بطش القبضة الأمنية وسطوتها المتمادية، يتعرض المثقفون والفنانون السوريون المناصرون للثورة السورية إلى شتى صنوف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنتهي بلفظهم ونبذهم من محيطهم وبيئاتهم وطوائفهم إذا كان المثقف منتميا إلى إحدى الأقليات في سوريا.

Published On 20/11/2012
salaheddin, -, IRAQ : An image uploaded on June 14, 2014 on the jihadist website Welayat Salahuddin allegedly shows militants of the Islamic State of Iraq and the Levant (ISIL) driving on a street at unknown location in the Salaheddin province. Jihadists fighting in Syria and Iraq announced on June 29, 2014 the establishment of an "caliphate", referring to the system of rule that ended nearly 100 years ago with the fall of the Ottomans. AFP PHOTO / HO / WELAYAT SALAHUDDIN === RESTRICTED TO EDITORIAL USE - MANDATORY CREDIT "AFP PHOTO / HO / WELAYAT SALAHUDDIN" - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS FROM ALTERNATIVE SOURCES, AFP IS NOT RESPONSIBLE FOR ANY DIGITAL ALTERATIONS TO THE PICTURE'S EDITORIAL CONTENT, DATE AND LOCATION WHICH CANNOT BE INDEPENDENTLY VERIFIED

يرى ناشطون أن دور المثقف مغيّب تجاه ما يعيشه العراق، مؤكدين أن الوضع بحاجة إلى أصحاب الفكر والقلم وليس إلى السياسيين الذين فشلوا في إدارة العراق طوال السنوات المنصرمة.

Published On 26/7/2014
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة