عبد الله العروي يستعين بالمسرح للغوص في الذاكرة

إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

اختزل المفكر المغربي عبد الله العروي في مسرحيته "رجل الذكرى" الخطوط العريضة المحددة لمشروعه الفلسفي والفكري والروائي، في شكل أسئلة أولية باتت تؤرقه كطالب في الجامعة، وتلهب قلقه الفكري في تلك الفترة المتقدمة من عمره لمّا كان متبرما من الأحداث التي عرفتها الرباط عام 1958.

وشاءت الظروف أن يتأخر هذا العمل المسرحي -الصادر عن المركز الثقافي العربي (بيروت 2015)- الذي شكل بداية الكتابة لديه على مستوى النشر في كتاب يجمع شتاته، أي بعد مرور 67 عاما على تحريره.

وقد ظل العروي طيلة هذا المدى الزمني مرتبطا بهذا النص كأنه بطاقة التحكم في مساراته ومجاريه، حيث كان يعود إليه مرارا في فترات متقطعة ليُعيد نسج فقراته، ويلحم بنياته المتصدعة، ويشذب تعاليَه الصوفي على الفهم والتلقي.

أرق الذاكرة
لم يفطن العروي إلى أن الذاكرة تشكل محورا في كتاباته كلها -على تنوع اهتماماتها بين الفكر والتاريخ والفلسفة والسرد- إلا عندما عاد إلى نص مسرحية "رجل الذكرى" التي كتبها في بدايات عهد الشباب.

لم يفطن العروي إلى أن الذاكرة تشكل محورا في كتاباته كلها -على تنوع اهتماماتها بين الفكر والتاريخ والفلسفة والسرد- إلا عندما عاد إلى نص مسرحيته التي كتبها في عهد الشباب

ووجد أن السؤال الرئيسي الذي كان يؤرقه في مشواره البحثي ويحدد أفق انشغاله في حياته الفكرية هو سؤال الذاكرة الشخصية والجمعية بتشعباتها وتعدد مشتقاتها، إذ اكتشف أن منجزاته ما هي سوى تنويع في الاشتغال على هذا المفهوم.

ويقول العروي في مقدمة هذه المسرحية مفسرا ارتباط مشروعه بالذاكرة، إن "ما شجعني على نشر هذا النص رغم عيوبه الجلية والكثيرة، هو أنه يتضمن نواة كل ما ألفت فيما بعد، أكان إبداعا أو نقدا ثقافيا.. حول ماذا تدور رواية "الآفة"؟ حول الذاكرة. حول ماذا تدور تحليلات "السنة والإصلاح"؟ حول الذكر.. ذكرى.. ذاكرة.. ذكر… ألفاظ تشير إلى ظاهرة، حيثية، سمة تميز -في ما أرى- الإنسان العربي بين أقرانه ومعاصريه. أرى في هاته الخاصية مشكلة بل أم المشكلات، في حين أن غيري يراها عادية طبيعية. أتساءل باستمرار: ما أصلها؟ ما مآلها؟ ماذا يتولد عنها في حياتنا العامة والخاصة؟ تمثل -بالنسبة إلي- "الموضوع" ذاته الذي قلت عنه إننا نجري وراءه ولا ندركه أبدا".

صراع الأزمنة
تدور فصول المسرحية بين أرض الوطن وأرض المهجر، حيث تتناوب الشخصيات المسرحية التي يشكل "عمر" فيها الفاعل المركزي في الأحداث على الخشبة لأداء أدوار تجسد الصراع بين دلالتين متقاطبتين هما الحداثة والتقليد.

تتمزق ذات الشخصية المحورية عمر بين قلق الانغماس في الحداثة الغربية التي لا تؤمن إلا بالتطور والعلم والمستقبل، وأرق الارتباط بماض يظل حاضرا بقوة في الذاكرة والوجدان

وتتمزق ذات الشخصية المحورية "عمر" بين قلق الانغماس في الحداثة الغربية التي لا تؤمن إلا بالتطور والعلم والمستقبل، وأرق الارتباط بماض يظل حاضرا بقوة في الذاكرة والوجدان، فيوجه السلوكات والأفعال ويكبل خطو الفرد.

وجعل العروي -في هذه المسرحية الفكرية الجدلية- الصراع يتطور بين فئتين من الشخصيات: شخصيات غربية تمثل أفقا حداثيا بلا حدود (إيرين، سام، سونيا، عمر)، وشخصيات محلية تمثل عائلة الشخصية الرئيسية "عمر" في أرض الوطن (عمر، حسون، عباس، حليمة، حمود)، حيث تجسد حسون ابنة عم عمر الفتاة البلدية المتشبثة بالقيم والأعراف المحلية "الذاكرة" و"الماضي" و"الهوية الثقافية"، بينما تمثل سونيا -الفتاة الأجنبية المتحررة- الحداثة الغربية بكل اندفاعها وصخبها وتمردها على القيم الثابتة.

وفي غمرة هذا البحث عن الذات، يسجل عمر انحلال علاقته بماضيه، كما يسجل عجزه عن إقامة علاقة قوية جديدة بالحاضر كما تجسده عشيقته سونيا وصديقه سام، فيواجه مستقبله الغامض وحيدا.

ويختزل هذا الصراع جوهر القضايا الفكرية التي انشغل بها مشروع العروي الذي يقول في إطار حديثه عن الصلة بين الماضي والحاضر، ممهدا لهذا النص المسرحي القصير (80 صفحة)، وشارحا منطق التجاوز الذي أقر به في كتاباته، "قلت إن القطيعة مقدمة ضرورية لكل إصلاح يتوخى التغيير لا الترميم.. قيل لي إن القطيعة أمر مستحيل، وإن المؤرخ -وهو بالضرورة المؤتمن على إرث الماضي- يناقض نفسه إذ يقول بها.. لم أقل بالقطيعة كحافظ للماضي، بل كداعية للإحياء والتجديد، بعث حياة جديدة، مستأنفة، في نفس من كاد القديم، ترديد القديم، أن يخنقه ويجمده".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أصدر الناقد المغربي إدريس الكريوي دارسة نقدية تفصيلية للرواية العربية، في رحلة عبر رواية علي القاسمي “مرافئ الحب السبعة”، حيث حاول الوقوف على معالم مضمونها ورصد تقنياتها الأسلوبية.

26/8/2014

من المحتوى الدرامي إلى الشكل الفُرجوي، من الرسالة الفكرية والأيديولوجية إلى الإبداع الجمالي الفني.. هكذا يلخص الباحث المسرحي المغربي عبد المجيد شكير مسار أب الفنون في المغرب.

31/8/2014

جرى اختيار المغرب ضمن مجموعة من خمسة بلدان نامية لتقديم خلاصاتها واختياراتها في مجال ربط الثقافة بالتنمية، إلى جانب البوسنة والهرسك والإكوادور ومالي وصربيا.

13/9/2014

يعود الشاعر محمد الأشعري لمعانقة قرائه من جديد روائيا، بعد تجربتيه الناجحتين “جنوب الروح” و”القوس والفراشة” التي فازت بجائزة البوكر (2011م)، عبر “علبة الأسماء” التي تشكل امتدادا للرؤية بالروايتين السابقتين.

11/10/2014
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة