الأغنية البغدادية.. تراث حاصرته التحولات

المطرب الراحل فؤاد سالم يعد أحد رواد الأغنية العراقية في السبعينيات(الجزيرة)
المطرب الراحل فؤاد سالم يعد أحد رواد الأغنية العراقية في السبعينيات(الجزيرة)

 الجزيرة نت-بغداد

 
تستند الأغنية العراقية إلى ماضٍ غني وعريق وألوان من المقامات والإيقاعات أنتجتها فسيفساء التركيبة الاجتماعية للبلد وتراث زاخر للمناطق والأقليات، ونشأت الأغنية البغدادية من رحم هذا التنوع والثراء لتشهد تطورا كبيرا قبل أن تنحسر مع التحولات الكثيرة التي شهدها العراق.
 
ورغم الانطباع السائد في أوساط المعنيين بشؤون الموسيقي والغناء بالعراق بأن عقد السبعينيات من القرن الماضي شهد تطورا ملحوظا في الأغنية العراقية ونقلها من أطوارها الريفية والمقام إلى الغناء الحديث فإن الباحث عبد الستار المهنا يصف ما يعرف بالأغنية السبعينية بأنها مؤامرة على نظيرتها البغدادية.
 
المهنا: الأغنية السبعينية في العراق كانت مؤامرة على الأغنية البغدادية(الجزيرة)

فن المدينة
وقال المهنا للجزيرة نت إن "أغنية السبعينيات أعطت دليلا واضحا على زحف الريف على المدينة، فهي احتلت موقع الأغنية البغدادية التي أرسى حضورها في المشهد الملحنون الراحلون كعباس جميل ورضا علي ومحمد عبد المحسن  ويحيى حمدي وعلاء كامل، وبأصوات مائدة نزهت، وأحلام وهبي وهيفاء حسين وقبلهن الراحلة سليمة مراد التي أدت البستة البغدادية بعد المقام".

ويؤكد الباحثون في شؤون الموسيقى أن الأغنية البغدادية انحدرت من البستات والردات التي كان قراء المقامات العراقية يختتمون بها مقاماتهم أو تلك التي يرددها أهل بغداد في أفراحهم ومسراتهم خاصة بداية القرن الماضي.

 
ويشير الباحث رفعت عبد الرزاق إلى أن ثقافة العاصمة بغداد كانت متنوعة "نتيجة التنوع في المجتمع البغدادي فكان اليهود يؤدون المقام البغدادي بأصوله، ونقلوه إلى مناطق الأعظمية وباب الشيخ، وبعد وصول صالح الكويتي وشقيقه داود إلى العاصمة قادمين من الجارة الكويت واصلا عملهما الفني بإنجاز مئات الألحان، غنتها سليمة مراد ومطربات الجيل اللاحق".
 
ولعل أغنيات "قلبك صخر جلمود"، و"هذا مو إنصاف منك"، وغيرها تعد الأبرز للأخوين صالح وداود -كما يقول عبد الرزاق- فضلا عن وضعهما الموسيقى التصويرية لفيلم "عليا وعصام"، وهو الإنتاج السينمائي الأول في العراق.
 
وبعد افتتاح الإذاعة العراقية عام 1936 بدأت الأغنية البغدادية بالانتشار، إذ اعتمدت في البداية على بث الأغاني على أسطوانات المطربين حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم، ومطربي المقامات من الرعيل الأول رشيد القندرجي وعبد الرحمن خضر والجيل الذي تلاهم.
 
رعد كريم: الأحداث السياسية التي مر بها العراق أثرت في ذائقة الجمهور(الجزيرة)

تحولات العراق
ويقول الباحث الموسيقي والمستشار في وزارة الثقافة حبيب ظاهر العباس للجزيرة نت، إن الأغنية العراقية تعود في أصولها إلى جانب ريفي وآخر حضري، مثل الأول مئات المغنين الذين جاء معظمهم من الريف إلى المدينة وأسهم في حضورهم الشعراء الشعبيون المنحدرون أيضا من مدن وسط وجنوبي العراق.

أما الجانب الآخر من الأغنية فتمثل بالمقام البغدادي والمربع، وكانت الإذاعة تقيم حفلات يومية تبثها بشكل مباشر، وبعد تحويلها إلى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون تم منح هؤلاء درجات وظيفية، فيما فتحت الأبواب أمام المواهب من الملحنين والمطربين الجدد نهاية عقد الستينيات، فضلا عن الملحنين طالب القرغولي وكوكب حمزة وطارق ومحمد جواد آموري ومحسن فرحان.

وعن طريق هؤلاء وبأصوات المغنين حسين نعمة وياس خضر وفاضل عواد، ثم سعدون جابر وفؤاد سالم ظهرت الأغنية السبعينية، كما يقول عبد الرزاق.

وأشار إلى أن انتماء الملحنين والمطربين والشعراء إلى مدن الجنوب "أسهم بشكل مباشر في انحسار الأغنية البغدادية، فضاعت هويتها في ظل اقبال الجيل الجديد على سماع أغنيات تحاكي مشاعرهم وتقترب من أحاسيسهم مشابهة للأغنية المصرية واللبنانية".

من جهته، يرى الشاعر رعد كريم في الأحداث السياسية التي شهدها العراق عاملا مهما في تحول ذائقة الجمهور وتقبلهم الأغاني. ويقول في حديثه للجزيرة نت إنه أثناء اندلاع الحرب العراقية الإيرانية توجهت الأغنية العراقية إلى أغراض تعبوية وسياسية، مما أثر في مزاج الجمهور وفرض عليه سماع نوع جديد من الأغنيات.

كما أن العقوبات الاقتصادية منذ فترة التسعينيات وتخلخل البنى الاجتماعية وتحول الاهتمامات أدى إلى بروز موجة من الأغاني السريعة والتي تتعارض مع المقام العراقي الأصيل والأغنية البغدادية.
وزاد تشوه الحياة الاجتماعية بفعل الاحتلال الأميركي والفوضى الأمنية التي تلته والأعمال الإرهابية في القضاء على مناخ تطور الأغنية العراقية بجميع اتجاهاتها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يستمر عامر علي العواد داخل أزقة حي الحيدرخانة ببغداد في عمله بالحفر على الخشب وربط الأوتار مواصلا مهنة معلميه القدامى صناع العود البغدادي دون أن يقطع الصلة مع الموسيقى والغناء، كما فعلت المعاهد الفنية مؤخرا ومنعت تدريس المادتين تنفيذا لقرار حكومي.

لم يكن بيد الفنان العراقي الراحل فؤاد سالم أن “يودع عيون الحبايب” عاجزا مقعدا في مشفى بدمشق، بعيدا عن وطنه الذي طالما عشقه وغنى له، كسا الراحل بألحان الحب أديم العراق وخشبات مسارحه وفضاءات عشاق الفن الأصيل فيه، ليرحل غريبا ووحيدا ومنفيا.

تمثل الأغنية الكردية القديمة ملحما مهما من تاريخ الشعب الكردي وخصائصه الثقافية التي أثراها بشكل خاص واقعه الجغرافي وجمال الطبيعة. ويبدو هذا التراث والزخم الفني مهددا الآن بعد الانفتاح اللامحدود ورياح العولمة، ما حدا بالعديد من النقاد والمهتمين بهذه الثقافة أن يركزوا على ضرورة العودة إلى الجذور، واستصحاب ذلك في أغنية اليوم.

بعد عقود من التألق وملامسة الوجدان الجمعي للأمة، تحث الأغنية العراقية الخطى نحو الانحدار بعد التأثير السلبي للسياسة في الفن، وهجرة المطربين والملحنين. ومع أن البعض يرى أن الأغنية تساير زمنها، يؤكد ملحنون وشعراء سقوطها بعد هيمنة المتطفلين على فضاء الطرب.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة