"أولاد لبلاد".. الراب بنكهة موريتانية

أحمد الأمين-نواكشوط
 
هم فتية أربعة آمنوا بالتغيير، واقتنعوا بدور الفن، عشقوا موسيقى "الراب" فجمعتهم دون سابق معرفة أو علاقة نسب أو مصاهرة، أسسوا فرقة شبابية تخاطب الشباب بما يفهم، لتحمل "أولاد لبلاد" همّ البسطاء وتثور فنيا على الظلم والقهر والإقصاء في بلد محافظ اجتماعيا وفنيا كموريتانيا.

 
إمكانياتهم محدودة لكن طموحهم بلا سقف، يسعون لتحقيق النجومية العالمية، ويحلمون بوطن خال من الغبن والتهميش والإقصاء، وبفلسطين محررة، ويتمنون الاستقرار والازدهار في ليبيا ومصر وسوريا.
 
أعضاء فرقة "أولاد لبلاد" رأوا في الراب قالبا يجذب الشباب فاستخدموه للتغني بوطنهم، ودعوا من خلاله للتمسك بقيم العدل والإنصاف والتسامح، وحولوا "الراب" إلى أغانٍ لمدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
 
كل واحد من أفرادها يمثل فرقة بكاملها، يؤلف ويلحن ويغني وينتج، وربما يتولى مهام التوزيع الموسيقي، لكن العمل مع ذلك جماعي والجهود متكاملة.

الأغنية -كما يقولون- تولد من رحم معاناة الإنسان الموريتاني البسيط، وتطلعاته "فنحن ننتقد الظواهر والمسلكيات غير الجيدة من خلال الأغنية، بغض النظر عن الجهة أو الفرد الذي تصدر عنه تلك التصرفات".

وبفعل هذه الميزة كان حضور الأغنية الملتزمة بارزا في إصدارات الفرقة، فانتقدت أغانيها الكثير من الظواهر، ونال نقص الخدمات العمومية نصيبا وافرا من النقد.

‪إسحاق: الشباب الموريتاني منفتح على ثقافات العالم ويتابع ما يجري حوله‬ (الجزيرة)

التقليد والتجديد
المزاوجة بين التقليد والتجديد واحدة من أبرز سمات فرقة أولاد لبلاد، وهي معادلة صعبة وفق ما يقول إسحاق أحد مؤسسي الفرقة "لكن وعينا ومعرفتنا بالمجتمع الموريتاني مكنتنا من النجاح في هذا التحدي".

ويضيف إسحاق -في حديث للجزيرة نت- أن الشباب الموريتاني منفتح على ثقافات العالم ويتابع ما يجري من حوله، ويتأثر به ويتفاعل معه، ومن ثم فلا بد من اختيار القوالب الفنية التي تلائم ذوقه، وفي نفس الوقت فالمجتمع الموريتاني محافظ جدا وتستفزه القيم الوافدة خاصة إذا كان لها طابع غربي، لذلك كان لا بد من كسب الطرفين، فسخرنا القالب الحديث لحملة رسالة وقيم أصيلة.

ويؤكد زميله بالفرقة حمادة أنهم نجحوا في هذا التوجه إلى حد كبير "فمنذ أول إصدار للفرقة لمسنا قبولا واسعا في الشارع الموريتاني، وبدأنا نشعر بأن ما نقوم به يؤثر في المجتمع، وبدأت فئات ومجموعات كثيرة تطلب منا أن نطرح مشاكلها من خلال أغانينا".

ورغم التحفظ الذي صاحب نشأة الفرقة باعتبارها "خروجا على المألوف" أو "إفسادا للذوق الفني وتجنيا على الفن الموريتاني" فقد تغلغلت أغانيها في الأوساط الشبابية، وباتت جزءا من المشهد الثقافي والفني في نواكشوط وكبريات المدن الموريتانية.

ويعتبر الكاتب ورئيس دار السينمائيين الموريتانيين عبد الرحمن ولد أحمد سالم أن الفرقة استطاعت أن تحقق نجاحات كبيرة، وهذا ما يشهد عليه مهرجان "الهيب هوب السلام عليكم" الذي ينظم سنويا في نواكشوط وتشارك فيه فرق موسيقية من النيجر والسنغال وفرنسا وبلدان أخرى.

‪ولد أحمد سالم: الفرقة تتميز بكلماتها القوية  ومحافظتها على القيم الأصيلة‬ (الجزيرة)

رغبة التغيير
ويقول ولد أحمد سالم -في حديث للجزيرة نت- إن فرقة أولاد لبلاد مثلت رفضا "لتأطير الثقافة في قوالب لم تعد قابلة للاستغلال" وكانت أولى فرق الراب المحلية التي استخدمت اللهجة الحسانية (العربية) بنسبة كبيرة في أغانيها.

ويضيف "أولاد لبلاد كغيرها من فرق الراب في العالم هي خروج على النسق العام لإحداث تغيير وفق سياقات مختلفة اجتماعيا وثقافيا عن السياقات التقليدية".

ويلاحظ أنها "تميزت بتمسكها الواضح بقيم وتقاليد المجتمع الموريتاني من خلال تشبعها بالثقافة التقليدية، وحرص أفرادها على الظهور في أغانيهم بالزي التقليدي الموريتاني في أقدم أشكاله، كما تميزت بقوة وتحرر كلماتها، وفي نفس الوقت إعادتها الاعتبار لقيم أصيلة دينية واجتماعية".

محدودية الموارد
الفرقة التي تأسست قبل أكثر من عقدين من الزمن لم تستطع حتى الآن أن تنتج الكثير من الأغاني، وكانت مشاركاتها الخارجية معدودة، وهو ما يعزوه أعضاؤها إلى نقص الموارد المالية.

ويقول عضو الفرقة إسحاق إن شح الموارد يحد من انتشارهم ويؤجل الكثير من أحلامهم وطموحاتهم، ويضيف أنهم تلقوا عروضا كثيرة للتمويل لكن أغلبها كان مشروطا بمواقف سياسية "ونحن نرفض الانغماس في السياسة والوقوف مع طرف ضد آخر".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يجمع أغلب المهتمين بالشأن الثقافي بموريتانيا على أن الحكايات الشعبية باتت اليوم تواجه خطر الاندثار والتلاشي بعد التحولات الأخيرة التي عرفها المجتمع الموريتاني كغيره من المجتمعات العربية والإسلامية بسبب انتشار وسائل الإعلام، وما تقذفه موجة العولمة الجارفة من بدائل ثقافية وأنماط معرفية.

نظمت في العاصمة الموريتانية نواكشوط النسخة السادسة من الأسبوع الوطني للفيلم, وهو مهرجان ثقافي سنوي، بمشاركة هيئات وشخصيات ثقافية أجنبية، وقد تميزت نسخته الجديدة بتناغمها مع انشغالات الشارع العربي في ظل ما بات يعرف بالربيع العربي.

إذا كانت موريتانيا قد اشتهرت بوفرة إنتاجها في المجالات الأدبية، فإن أصناف الفنون التشكليلة وبينها فن الكاريكاتير لا يزال شبه غائب عن الساحة الثقافية والإعلامية، رغم المحاولات المتعثرة من حين لآخر لتنشيط هذا الفن وتقديمه بشكل مفهوم ومقبول للرأي العام المحلي.

لم يكن مجال الفن في موريتانيا مفتوحا أمام كل صاحب موهبة صوتية أو موسيقية، وظلت أسر محددة تحتكره منذ قرون وحتى يومنا هذا. لكن محاولات شبابية دخلت مؤخرا بقوة مجال الفن متحدية التقاليد والأعراف القديمة من خلال موسيقى الهيب هوب.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة