عـاجـل: وزارة الصحة الإسرائيلية: 10 وفيات بكورونا خلال الـ24 ساعة الماضية ليرتفع عدد الوفيات إلى 74 والإصابات إلى 9519

"على سبيل المثال".. تشخيص للاختلالات الاجتماعية

إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

تسعى فرقة "مسرح اليوم والغد" بالمغرب إلى بعث روح المجد في الخشبة، وإعادة البهاء لأبي الفنون من خلال عروضها المسرحية الأخيرة، في وقت عرفت فيه المسارح ودور السينما تعطلا ملحوظا بسبب الغزو المفاجئ للوسائط الجديدة التي ملأت على المتتبعين وقتهم، وشغلتهم بعوالمها المغرية.

ومن أهم هذه العروض مسرحية "على سبيل المثال" التي ألّفها الفنان الكوميدي محمد الجم وأخرجها الفنان محمد خدي، وشخص أدوارها كل من الفنانة فاطمة الزهراء أحرار والفنان حفيظ الخطيب.

وهي مسرحية بقدر ما تحاول المحافظة على الخط العام للفرقة المسرحية وجمهور الكوميديا المستهدف بالأساس، فإنها تجد نفسها مطالبة بتغيير أسلوب خطابها الذي انفتح على قضايا راهنة تخص الشباب والأجيال الجديدة، في زمن تشهد فيه المجتمعات العربية تحولا تاريخيا مشهودا على جميع المستويات.

حس نقدي عالٍ
تقوم مسرحية "على سبيل المثال" ذات البعد النقدي الساخر على فصلين مؤطرين برؤية فنية تجريدية، يتخذ الفصل الأول موضوعا له المعاناة الاجتماعية لكاتب مسرحي مع زوجته الممثلة التي سبق أن اشتركت معه بعض الأدوار على الخشبة بشكل هاو، دخلا بعدها في إطار علاقة عاطفية كللت بالزواج، حيث تفاقمت الحالة الاجتماعية للأسرة بعد أن خاب ظن الزوج في كون مهنة التمثيل قادرة على تأمين العيش الكريم له ولزوجته.

وسيلعب الحظ فيما بعد دوره في حياة الزوجين بعد أن صادقت اللجنة الوطنية للبرمجة على انتقاء نصهما المسرحي "على سبيل المثال"، فيقوم الزوجان معا في الفصل الثاني بتجسيد أدوار هذه المسرحية، حيث يشخص أغلب المواضيع الساخرة التي يعاني منها مجتمعنا من رشوة واحتيال ونصب وكذب، فضلا عن الإشارة إلى بعض الانتفاضات التي قامت بها بعض الشعوب العربية.

ولم تتوقف المسرحية عند حدود نقد القيم المجتمعية المشوهة، بل كذلك هاجمت ضمنا بعض الممارسات السياسية التي تسيء إلى الأمة، حيث عاب العرض، على بعض المسؤولين من منتخبين وبرلمانيين وموظفين ساميين، استباحة مخالفة القوانين، والتلاعب بمشاعر الناس ومصالحهم، ونهب الميزانيات، والتطاول على العدالة.

لم يقف هذا العرض المسرحي عند حدود معالجة الإشكالات والمواضيع المجتمعية الخاصة بالمجتمع المغربي، بل وسّع دائرة اهتمامه، ليتطرق إلى عدد من القضايا العربية الساخنة التي توثق للمرحلة الانتقالية العصيبة التي يجتازها عدد من الأقطار العربية، عقب مرحلة الثورات الأخيرة

قضايا عربية
لم يقف هذا العرض المسرحي عند حدود معالجة الإشكالات والمواضيع المجتمعية الخاصة بالمجتمع المغربي، بل وسّع دائرة اهتمامه، ليتطرق إلى عدد من القضايا العربية الساخنة التي توثق للمرحلة الانتقالية العصيبة التي يجتازها عدد من الأقطار العربية، عقب مرحلة الثورات الأخيرة، خصوصا الحالة العراقية المستعصية التي أججتها الفرقة والصراعات الطائفية والعرقية وتضارب المصالح السياسية والاقتصادية، وما أفرزه هذا الوضع المأزوم من كوارث إنسانية، وتفتت اجتماعي، وانهيار اقتصادي شامل. 
 
وتوج هذا الاهتمام بقضايا الوطن العربي، في العرض المسرحي "على سبيل المثال"، بإهداء أغنية "ردّوا البال" من كلمات الزجال أحمد لمسيح، ولحن وتوزيع الفنان المتميز الملحن جواد عصامي وأداء ناجح من الفنانة فاطمة الزهراء أحرار، إلى كل شهداء الحرية والكرامة، وصناع التغيير بربوع الدول العربية التي عاشت ولا تزال تعيش على إيقاع تحولات الربيع العربي.

ويرسخ هذا النص، الانشغال المغربي فنيا، بقضايا الأمة العربية الراهنة، وتفاعله معها، وإحساسه بالتحولات التي تمر بها المجتمعات الشقيقة، خاصة مع المد العولمي التكنولوجي الذي قرب المسافات، وجعل المعلومة ملكا للإنسان حيثما كان. 

مدرسة جديدة
اعتمد العرض المسرحي "على سبيل المثال" على أساليب جديدة لم يعهدها المسرح المغربي من قبل، وهو أداء فني أملاه اختيار جمالي سنَّته المدرسة التوليفية التي تجمع بين الواقعية والتجريد، وكذا المزج بين التقنية والأداء، وأيضا المزاوجة بين الدراما والكوميديا، وذلك عبر مسارات فنية غير مملة أو نمطية.

وذلك بجانب تعدد الموضوعات المتناولة، في شكل استفهامات ضمنية، غرضها التشخيص والتلميح والنقد المبطن للسلوكيات الفردية والجماعة، كل ذلك في وصلة خفيفة تتخللها روح المرح والسخرية الهادفة التي تروم رفع حالة المرافعة والخطاب المباشر، وروح الملل عن الأداء، حتى يظل الجمهور مشدودا إلى الفقرات المسرحية دون انقطاع.

ومن الأدوات الجديدة التي اعتمدها هذا العمل المسرحي إقحام مجموعة من "الروبورتاجات" المصورة والدمى الثابتة دون تأثير على المضمون الفكري والفني للمسرحية التي تعد تجربة جديدة في حياة الفنان محمد الجم المسرحية الذي انتهج له خطا فنيا جديدا هيأ له صياغة توليفة طريفة بين لحظات الدراما والكوميديا، وطبخة فنية ضاجة بالأعيرة النقدية التي تطلق في اتجاهات مختلفة، مصوَّبة، على المقاس، نحو بؤر التصدع في النسيج المجتمعي، بمساهمة من فنانين مسرحيين يمثلون الجيلين القديم والجديد. 

المصدر : الجزيرة