الفنانة السورية هبة عيزوق ترسم "وجوه" المأساة

 

الوجوه معابر إلى الدواخل وجسور بين المرء والآخر، إنها مرايا وألغاز في الوقت نفسه وصناديق زجاجية تعكس بشفافية النفوس والأرواح، هكذا تصف الفنانة التشكيلية السوريّة هبة عيزوق الوجوه في لوحاتها التي تضمنها معرضها التشكيلي المقام حاليا في إسطنبول بعنوان "وجوه".
 
تقول عيزوق إنها تجابه العالم بلوحاتها، وترى أن لوحة الفنان هي سلاحه، وأنها بتجسيدها للحالات الإنسانية عبر الوجوه تسعى إلى المساهمة بقسطها الفني والإنساني في محاولة تبديد واقع الاغتراب المزمن والغربة المستفحلة.
 
تسعى عيزوق إلى أن تزيح الطبقات المتراكمة على الوجوه والنفوس، تلك التي قد تشكل أقنعة ومتاريس حاجبة لما وراءها ولحقائقها، تستكمل رحلتها إلى أعماق الإنسان لرسم وجهه المفترض أو الظاهر أو المقنع على طريقتها.
 
ملصق معرض الفنانة التشكيلية هبة عيزوق في إسطنبول (الجزيرة)
غربة ذاتية
يحضر لدى عيزوق ربط بين الغربة النفسية والاغتراب المكاني، تزاوج بين الحالات في ملامح الوجوه المرسومة التي تكتشف عبرها حقائق أصحابها ووقائع أليمة أثرت فيهم.

تتغلغل "وجوه" الفنّانة إلى ما هو أبعد من الذكورة والأنوثة، تلتقط تفاصيل وجه الإنسان الذي هو الغاية، وتساوي بين الرجل والمرأة. كما أن وجوه المأساة، وإن بدت في جوانب منها عاكسة لملهاة الواقع ومفارقاته الكثيرة، إلا أنها في بحث دائم، تجسد الحالات في اللوحات، تراها تتعرف إلى الآخرين وتستعيد اكتشافهم برسمها لوجوههم المتخيلة.

 
اشتغلت عيزوق عام 2008 على الغربة الذاتيّة في الوطن، جعلت من الغربة المتفاقمة واغتراب الإنسان عن ذاته وداخله والآخر والمكان همها الرئيسي. لم تكن حينذاك قد عانت من الغربة خارج حدود الوطن، كانت تنقل ما تراه في نفوس المحيطين بها وتحاول رسم وجوههم بما يعترك في داخلهم من هموم الغربة.

وبعد أن اغتربت عن بلدها إثر ظروف الحرب الدائرة، وخاضت تجربة الغربة، اكتسب مشروعها صيغة امتدادية لتغدو في بعض حالاتها -لوحاتها- معبرة عن غربتها التي هي نفسها غربة الكثيرين مثلها.

تقول عيزوق -التي تخرجت عام 2009 في كلية الفنون الجميلة بدمشق، قسم الحفر والطباعة- إنها اشتغلت على بعض لوحاتها في دمشق، وبعضها في السلمية وأخرى في أربيل، ومن واقع معايشتها لتجربة الغربة ورؤيتها لصور الاغتراب المتجلية في الأماكن التي تنقلت بينها.

تعترف هبة بأنها حين تنغمس في العمل تشعر بيدها تفكر وهي تعمل، حركات اليد تخطط الوجوه وترسمها. وتعتقد أنه "لا وجه يشبه الآخر في هذه الحياة.. ووجوهي مستمدة من الواقع بشكل فضولي. هي دواخلنا التي تضم كل المشاعر الإنسانية من قلق وانتظار واغتراب وأمل وفرح وغيرها".

‪الفنان التشكيلي حسكو حسكو: الخطوط والألوان بمعرض عيزوق تكاد تعبر عن نفسية كل وجه‬ (الجزيرة)

مرآة الروح
تقول إنها لا تقدم في "وجوه" عرضا ذاتيا، بل تحاول الوصول إلى أعماق الآخر لتجسده في لوحتها. كما ترى أن الوجه هو مرآة الروح، يعكس ما بداخل النفس من انفعال. وتعتقد أن لوحتها تحصر القبح والجمال في بورتريه للكشف عن حقيقة الإنسان المخبأة في دواخله مبتعدة كل البعد عن إظهار تفاصيل الوجه المجردة، لتركز على العامل النفسي للملامح الإنسانية التي تعبر عن الغربة الذاتية والنفسية.

الفنان التشكيلي السوري حسكو حسكو يرى أن عيزوق تبرز في معرضها وجوها وتركّز بأحاسيسها كلها لتشكيل هذه الوجوه، والتعبير عنها عبر الألوان والخطوط التي تكاد تعبر عن نفسية كل وجه.

يعتقد حسكو أنها تخوض تجربتها في البحث عن بصمتها الفنية الخاصة بها. ويجد أنها ترسم وجه المأساة في وجوه شخصيتها، وأنها ترسم لوحاتها وكأنها ترسم وجها واحدا هو وجه الاغتراب والمأساة. كما يرى أن هذه النقطة فنيّا تعتبر نقطة ضعف في المعرض، لكنّها تركز على الفكرة: الوجه المغترب.

أما المخرج السوري ياسر سالم فيعتقد أن الفنانة تعبر في الوجوه التي ترسمها عن الحزن بمختلف تنوعاته وتجلياته، لكن ملامح التعبير عن الحزن تختلف، كما تحاول أن تعبر عن الاغتراب من وجهة نظرها الفنية.

يجدر بالذكر أن هبة عيزوق نوعت في اشتغالها الفني على الوجوه، إذ إن معرضها يحوي لوحات مرسومة ومشغولة بالفحم على الإكريليك، وبأحجام مختلفة، كما أن لديها لوحات مشغولة بطريقة الحفر على الخشب، وحفر على المعدن، وحفر على الحجر.

ورغم خطورة العمل اليدوي أحيانا وبخاصة في حالات الحفر على المعدن، واستعمال مواد أو أدوات خطيرة، فإن عيزوق تبدي بهجتها بتلك المغامرة التي تمنحها السعادة وهي ترى العمل بحلته النهائية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في ثالث تحرك من نوعه لمثقفين وفنانين في الفترة الأخيرة، أعلن عدد من التشكيليين السوريين تأسيس “تجمع التشكيليين السوريين المستقلين”، من أجل الدفاع عن مصالحهم والخروج من الارتهان للمؤسسة الرسمية، كما ورد في بيان لهم.

قبل أن يمتلك التشكيلي السوري خضر عبد الكريم مرسما، امتلك حلما جميلا بالحرية وخيالات متوثبة لمناضل وفنان يساري عنيد قادته إلى السجن. وفي سجن صيدنايا صنع أدواته وأقام معرضه الأول الذي كان بداية دخوله عالم الفن، لينحت بعدها تجربته الخاصة ويطور أدواته.

لا يخاف الاستبداد أكثر من صوت المثقف الحر وقلمه، وريشة فنان مناضل من طينة يوسف عبدلكي. يرسم ابن القامشلي الجمال والحرية وينبذ القبح والقمع، انحاز خلال الثورة إلى الناس والحرية، ومثل صوت احتجاج هادئا حاولت أجهزة الأمن السورية أن تخرسه بالاعتقال.

بعد قضائه أكثر من شهر معتقلا بالسجون أفرجت السلطات السورية الخميس عن الفنان التشكيلي المعارض يوسف عبدلكي الذي أوقف في 18 تموز/يوليو مع رفيقيه توفيق عمران وعدنان الدبس القياديين بحزب العمل الشيوعي المعارض قرب طرطوس.

المزيد من فنون تشكيلية
الأكثر قراءة