الفنان التركي سركيس.. في البدء كان البياض

أنطوان جوكي-باريس

 
لا يعد التشكيلي التركي سركيس أحد أبرز وجوه الفن التركي المعاصر فحسب، بل هو أيضا فنان يتجاوز بفنه الحدود الجغرافية والذهنية، فمن عطور الشرق إلى قواعد الغرب، تتغذى أعماله من جميع الثقافات وتتأثر بالأماكن التي تعرض فيها كاشفة بذلك تاريخها وقصصها.
لوحات وأعمال متعددة الأشكال والوسائط، ما برحت تلغي الحواجز بخطابها وتعقيداتها براديكاليتها وشعريتها، بروحانيتها وحداثتها، وذلك منذ بدايات صاحبها في نهاية الستينيات، وبالتالي يستحيل تلخيصها بجملة أو بنظرية.
وغنى هذه الأعمال هو الذي يفسر شهرة سركيس في العالمين الغربي والشرقي ومعارضه الكثيرة في أهم المتاحف وصالات العرض الدولية، كمركز بومبيدو بفرنسا ومتحف جنيف للفن الحديث والمعاصر و"لا دوكومنتا" في مدينة كاسل الألمانية و"بينالي البندقية".
 
‪إحدى اللوحات من معرض الفنان التركي سركيس‬ إحدى اللوحات من معرض الفنان التركي سركيس (الجزيرة)
موسيقى اللون
أما جديد الفنان فهو معرض مثير في غاليري "ناتالي أوباديا" الباريسية يحمل عنوان "في البدء كان البياض" ويتألف من لوحات ومنحوتات وقطع وتجهيزات تحتفي باللون الأبيض حصيلة لجميع الألوان وأيضا ركيزة سمو وصفاء لفن عبر مراحل كثيرة واختبر تقنيات ومواد جمة قبل أن يبلغ هذا الحد من الشفافية.
 
وتجدر الإشارة أولا إلى أن سركيس يحتل فضاء الغاليري المذكورة كمؤلف موسيقي. فطريقة ترتيبه لأعماله المعروضة تجعلها تظهر كأصوات تم ضبط نبراتها الشكلية بشكلٍ تبدو فيه مجموعة كمدونة موسيقية يرتفع صداها البلوري في الفضاء وتلتقطه العين فورا بدلا من الأذن.
 
ويستقبل الزائر في بداية المعرض الصراخ المكتوم لتجهيزات جدارية أربعة متقابلة أعاد سركيس فيها تأويل لوحة إدوارد مونك الشهيرة "الصرخة"، ويتألف كل واحد من لمبات "نيون" يحدّها من كل جانب قسطل رفيع من نحاس. وبحدتها الضوئية، تمنحنا هذه الأعمال الإيقاعات السمعية الرئيسية للمعرض.
 
ولمرافقة هذا الترتيب، بعثر سركيس بشكلٍ عشوائي أعمالا أصغر حجما تشكل بطبيعتها ائتلافات (accords) حسّية، مثل "الأيقونات" التي هي كناية عن لوحات تجريدية صغيرة أنجزها الفنان بمعجونة بيضاء وشكل مضمونها بإصبعه ضمن تناغم ملاحظ مع الخطوط والنماذج الهندسية المحفورة على إطارها الخشبي.
 
وتحضر في المعرض أيضا أعمال زجاجية صغيرة يتشكل مضمونها حصرا من بصمات الفنان، ورسوم بمادة الأكواريل مغطاة بستار من حرير أبيض لا بد من رفعه لمشاهدة مضمونها الذي يستحضر بألوانه وتشكيلاته المجردة فضاءات كونية.
 
ولا ننسى اللوحات التي طلى سركيس سطحها بعجين الأبيض، كما يشق الفلاح أثلاما في الأرض الزراعية قبل أن يرمي ببذوره فيها. ولعل ما يبرر هذه القراءة نثر الفنان على سطح هذه اللوحات حبوب أرز تظهر للمرة الأولى في عمله.
 
‪من أعمال الفنان سركيس بالمعرض‬ من أعمال الفنان سركيس بالمعرض (الجزيرة)

روحانية الأبيض
لكن أكثر ما يشدنا في المعرض هو الفيديو الذي يحمل عنوان "أبيض على أسود، ليلا ونهارا". ويكشف سركيس فيها الخصائص المذهلة لمادة الأكواريل عبر ترطيب ريشته بهذه المادة ثم تغطيسها بروية أمام عدسة الكاميرا في كوب مملوء بالماء، مما يمنحنا رؤية لحركة تمتد بشكل دائري وتستحضر بتحولاتها عملية ولادة الكون.

وبشكل مواز للأعمال المعلقة على جدران الغاليري، نشاهد في المعرض تجهيزين مثيرين يركنان على الأرض، الأول يحمل عنوان "الانتظار" ويتألف من تنضيد محكم لحجارة من قرميد يعلوه لمبات "نيون" موصولة إلى مولد كهربائي، والتجهيز الآخر يحمل عنوان "بعد العصر الجليدي" ويتألف من تنضيد لرفوف معدنية ثبت الفنان على كل منها رسما بلون أبيض زيتي تركه ينتشر بحرية على ورق مقوّى.

وتظهر في هذه الرسوم المستوحاة من رسوم إنسان المغاور والمنفذة بالإبهام وجوه وهيئات بشرية بوضعيات جامدة أو متحركة وحيوانات مختلفة.

وبدعوة الزائر إلى رفع الرفوف المثبتة عليها رسومه في هذا التجهيز أو إلى لمس أعماله الزجاجية أو إلى إزاحة الستائر الحريرية البيضاء عن رسوم الأكواريل، يحثنا سركيس على التفاعل جسديا وحسيا مع أعماله المعروضة.

وبتخلصه في هذه الأعمال من أي حركة غير ضرورية وبإثباته عن بصيرة كبيرة في جمعه داخلها مواد ذات سلطات استحضارية قوية، كأنابيب "النيون" ومسحوق الذهب والطوب والورق والحرير والنحاس وخصوصا الألوان الزيتية البيضاء، يمنحنا نظْما مذهلا يعكس ذكاء تشكيليا فريدا، ولكن أيضا نزعة أكثر فأكثر روحانية في عمله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ضمن سلسلة الكتب التي تصدرها دار “سكيرا” الدولية للتعريف بوجوه الفن العربي المعاصر، صدر حديثا كتاب حول الفنان المغربي منير فاطمي، بعنوان “مفردات مريبة” يتضمن صورا عن أبرز إنجازاته، ودراسة للناقدة الفنية الأميركية ليليان دايفيس.

لم يخطئ المصور الفرنسي “المنبوذ” برونو فير في هذه الأيام الباريسية الباردة، حينما أطلق على معرضه الفوتغرافي عن القرى الفلسطينية المهجّرة عنوان “الغائبون”. المعرض الذي يحتضنه رواق بناية عند مدخل حديقة مونسو المخملية المعزولة، بدا خاليا من الجمهور بعد تعرضه لحملة تشويه.

لم تخطئ الفنانة والناقدة الفلسطينية ألاء يونس في نصها الذي رصدته لمعرض الفنان المغربي محسن حرّاقي في غاليري “إيمان فارس” الباريسية بقولها إن هذا الفنان “يخرج دائما للداخل”. فأعماله تحمل دائما آثار تنقّله الثابت بين أصيلة المغربية مسقط رأسه، وباريس مكان إقامته.

يكشف المعرض الذي ينظم بالمركز الثقافي جورج بومبيدو بباريس الكثير عن الروائي الفرنسي كلود سيمون (1913-2005)، ويعرض جانبا من حياة صاحب”درس الأشياء” الذي تميز يشهرته الكبيرة في أوساط النخبة الأدبية مقابل عدم رواج اسمه بالقدر الكافي في الأوساط الطلابية والشعبية.

المزيد من فنون تشكيلية
الأكثر قراءة