"الحريم" لأسلي سانكار.. حنين إلى السلطنة

غلاف رواية " الحريم" للتركية أسلي سانكار
undefined
هيثم حسين
 
تحظى دهاليز قصور السلاطين العثمانيين بغموض جذاب يشد القارئ للتعرف إلى تفاصيلها. وتحاول الروائية التركية أسلي سانكار في روايتها "الحريم.. رحلة حب" أن تتغلغل في أروقة تلك القصور لترسم صورة الحياة فيها، وتركز خاصة على ما يعترك في جناح الحريم ببلاط السلطان.

وتسعى سانكار في روايتها -الصادرة مؤخرا عن "الدار العربية للعلوم ناشرون- ثقافة" في ترجمة لمروان سعد الدين- إلى تبديد النظرة الشائعة أو الدارجة عن جناح الحريم من أنه ابتذال للجواري وانتهاك لحرمات النساء وابتزاز مستمر لهن.

ولا تتوغل الكاتبة في التقاط مكائد الحريم ودسائسهن، كما في بعض الأعمال الروائية أو الدرامية مثل "حريم السلطان"، بل تراها تقدم "الحرملك" (جناح الحريم) بحلة المكان الآمن الذي يسوده الوئام والتعاون، وذلك دون أن تغفل عن التذكير بجوانب من التنافس للحظوة بالتقرب من السلطان أو إحدى أميرات القصر، أو بضروب من الإذلال والاستغلال.

تبتعد سانكار عن الإيغال في وصف البذخ والترف والتجميل، وتحرص على تصوير جناح الحريم على أنه مدرسة مميزة للداخلات إليه، حيث يتم تعليمهن تعليما جيدا وتدريبهن على مختلف المهارات، ليكتسبن خبرة في الحياة والتعامل. يتعلمن اللغات، القرآن، آداب السلوك، الموسيقى، التطريز، وغير ذلك من العلوم والمعارف والمهارات.

لا تتوغل سانكار في التقاط مكائد الحريم ودسائسهن كما في بعض الأعمال الروائية أو الدرامية مثل "حريم السلطان"، بل تقدم زاوية رؤية أخرى حول "الحرملك

بحث عن الحب
الحرملك مصوّر على أنه الوجه الآخر للسلملك (مكان الرجال) أو هو مستراح الرجل ومتنفّسه في قصره، يتخفف فيه من أعباء المسؤولية، يعج بالحركة والنشاط والتجدد، وبرغم أن الحالة النظرية تفترض أن يكون الحرملك تابعا فإنه يتقدم ليكون متبوعا ومؤثرا ومخططا بدهاء القابعات فيه.

رحلة الحب التي تكون لاحقة العنوان تتفرع في ثنايا الفصول العشرة التي تدور وقائعها بين قصور إسطنبول وبخاصة "دولمبهس، بلربي". وتنطلق الأحداث مع ربيع 1858 إلى رحلتين متزامنتين لامرأتين من بيئتين مختلفتين في السلطنة العثمانية.

الرحلة الأولى تكون لفتاة شركسية "ساسا" تختطَف من قريتها الشركسية على تخوم السلطنة العثمانية، لتباع إلى تجار الرقيق وتقاد إلى إسطنبول فيختارها آغا قصر السلطان لتضم إلى جناح الحريم، وتخدم فيه.

وتجد الطفلة ذات السنوات العشر نفسها في عالم غريب، يطلق عليها اسم جديد "ديدنور" -الذي يعني نور العين- وذلك لجمالها البادي وبراءتها الساحرة، وهناك تبدأ خطوة التحضر لتصبح جارية في القصر.

الرحلة الموازية هي رحلة "جميلة"، وهي ابنة أحد المتنفذين القريبين من القصر، تعيش في رخاء في ظل والديها، تنتظر ككل فتاة في عمرها زوجا مناسبا. يتقدم إليها الطبيب "كامل" المتخرج في فرنسا حديثا، تقبل به زوجا بعد موافقة أبويها وشعورها بالراحة لعلمه ودراسته وأوضاعه.

رحلة جميلة في الحياة والحب تكون سابقة على رحلة ديدنور بحوالي عقدين من الزمن، ويكون الربط بينهما من باب التنويع في اختيار نماذج نساء من طبقات اجتماعية مختلفة عشن في ظل السلطنة، وكانت لهن تجارب مماثلة، وكيف أن الحب لا يميز بين جارية وسيدة، وأن المشاعر الإنسانية تبقى نفسها عند كلّ البشر.

يأتي إبراز سانكار لبعض تفاصيل جناح الجواري ردا منها على مزاعم بعض المستشرقين بامتهان النساء وانتهاك حرماتهن في قصور السلاطين

إيقاع سريع
تسير الرواية بإيقاع سريع، تتزوج جميلة، تنجب ابنا تسمّيه ضياء، يكبر ابنها، يموت والدا زوجها كامل الذي يتأثّر كثيرا ويفقد بهجة الحياة ورغبة الاستمرار وهو المسكون بحلم الحظوة بمنصب رئيس أطباء القصر الذي ظل بعيدا عن متناوله، ثمّ يموت والدا جميلة التي تشعر باليتم والغربة دونهما، ولا يعوضها عن ذلك سوى وجود ابنها ضياء، ويكون طلاقها من كامل بداية رحلة أليمة جديدة لها.

الإيقاع السريع يجتاح حياة القصر وحريمه، تكون ديدور كغيرها في بحر التغيير، تصبح وصيفة للأميرة الصغيرة، ثم تكتسب الكثير من المهارات والمعارف وتبرع في العزف على البيانو، ويتم تزويجها من ضابط في الجيش، لكن حلمها بحياة زوجية سعيدة يتلاشى بعد زواجها، لأن زوجها يظل رهين ذكرى زوجته الراحلة، ويفترقان لاحقا نتيجة أسباب كثيرة. تلتقي رحلة جميلة وديدنور بعد سنوات، وذلك بعد موت كنة جميلة، واختيار ضياء الزواج بديدنور بعد مصادفات مفرحة، ومع زواجهما تنتهي رحلة الشقاء لتبدأ رحلة الحب والسعادة والهناء.

تبرز الكاتبة تراتبيات الجواري بالموازاة مع التراتبيات الاجتماعية والطبقية، كما تذكر بقواعد ثابتة للخدمة في قصر الحريم، تتضمن بقاء الجارية لمدة تسع سنوات فقط في الخدمة، ثم تُمنَح صكّ حريتها ويتمّ اختيار زوج مناسب لها من دائرة المقربين من القصر، وتعامَل تعاملا لائقا ويتم تجهيزها والقيام بواجبات عرسها على أكمل وجه، وتترقى في السلم الاجتماعي.

ويأتي إبراز سانكار لبعض هذه التفاصيل ردا منها على مزاعم بعض المستشرقين بامتهان النساء وانتهاك حرماتهن في قصور السلاطين العثمانيين، ويأتي تصريح بعض شخصياتها في الحريم على أنهن سعيدات وفي غنى عن أي تعاطف معهن من قبل أحد تأكيدا على فكرتها.

يكون سرد سانكار مفعما بالحنين إلى السلطنة ودورها وتأثيرها وأجوائها. ولا تكتفي بالحديث عن الحب باعتباره عاطفة مشبوبة بين الرجل والمرأة، بل تغوص في الحب بأوجهه المختلفة وحالاته الإنسانية المتعددة، كحب الأهل والأصدقاء والأرض والبيت والآخرين، وحب كل تفاصيل الحياة التي تتقاطع فيما بينها لترسم اللوحة الحياتية الكاملة التي تسودها تلك العاطفة وتجملها، ووصولا إلى الحب الصوفي والاتحاد بالذات الإلهية، لتُبدي أن الحب الحقيقي لا يكتمل إلا بالطريق إلى الله والتخلي عن الأنانية، والتحلي بالقدرة على العطاء دون أي تقيد أو انتظار الرد.

ويتجسد ذلك في الرواية باختيار "جميلة" العطاء وإسعاد الآخرين عبر التكفّل بالأيتام والمعوزين، وتخصيص وقتها ومالها لإنقاذ من يمكنها إنقاذهم من براثن الفقر والجهل والحاجة. لتصل بذلك إلى إكمال دائرة الحب الحقيقي الخالي من أية أنانية والذي يتسامى على صغائر الأمور، وتسعد بإكمالها رحلتها إلى السعادة الحقيقية والحب الخالص.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

غلاف رواية "الملاك الأحمر" للتركي نديم غورسيل

لعل شخصية الشاعر التركي الأشهر ناظم حكمت (١٩٠٢ـ١٩٦٣) الرومنطقية إلى جانب حياته المليئة بالأحداث والإنجازات هي التي تفسّر اختياره من قبل مواطنه نديم غورسيل بطلا لروايته الأخيرة “شيطان، ملاك وشيوعي” التي صدرت ترجمتها الفرنسية بعنوان “الملاك الأحمر”.

Published On 21/1/2013
إعلان لمسلسل سليمان القانوني في إحدى القنوات اليونانية . صورة من مراسل

أسقطت النيابة العامة في إسطنبول التهم الموجهة ضد مخرجي مسلسل حريم السلطان وبطليه الأساسيين اللذين أديا دور السلطان سليمان والسلطانة هيام، والمتعلقة بالإساءة إلى ذكرى السلطان العثماني سليمان القانوني (1494-1566).

Published On 14/3/2013
بوستر سقوط الخلافة

في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الدراما العربية يعرض حاليا وطوال شهر رمضان مسلسل “سقوط الخلافة” للمخرج محمد عزيزية وإنتاج إيكو ميديا القطرية على قناة (ATV) التركية التي تعد من أشهر خمس قنوات تركية وذلك بعد دبلجته إلى التركية.

Published On 22/7/2013
غلاف الترجمة الفرنسية لرواية "على العتبة" للتركي علي تيومان

نادرة هي الروايات اليوم التي لا يلجأ أصحابها فيها إلى إستراتيجيات سردية وكتابية بسيطة وواضحة لتوفير أكبر عدد من القراء لها. إنها حال نص التركي علي تيومان، “على العتبة”، الذي تتطلب قراءته جهدا كبيرا، وأحيانا عودة إلى الوراء للإمساك بخيوط حبكتها المعقدة.

Published On 8/8/2013
المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة