مولود فرعون.. مثقف قارع الاستعمار بلغته

الجزائري مولود فرعون في سيرة باللغة الفرنسية
undefined
أنطوان جوكي-باريس
 
كان الكاتب الجزائري الراحل مولود فرعون يكتب بالفرنسية كي يقول للفرنسيين بأنه ليس فرنسيا،
كتب "ابن الفقير" عن "الدروب الوعرة" و"الأرض والدم" في سرديات تنبثق من أعماق الوطن الجزائري القابع تحت الاحتلال، ولم ينس فضح "ظلام الاستعمار" ليقول للفرنسيين: لا، بلغتهم.
 
وبمناسبة مرور نصف قرن على اغتيال الكاتب الجزائري الفرنكفوني (1913-1962) على يد "منظمة الجيش السرّي" الفرنسية (OAS) أصدرت دار نشر "أكت سود" الباريسية، بالتعاون مع دار "سولان" سيرة مهمة عن حياته وضعها الصحفي والكاتب الفرنسي جوزي لانزيني.

وأهمية هذه السيرة تكمن أولا في كونها المحاولة الأولى لسرد قصة حياة فرعون الغنية بالأحداث والإنجازات. وفي هذا السياق، نتعرف أولا على ظروف ولادته ونشأته في قرية "تيزي هيبل" داخل عائلة أمازيغية فقيرة لم يمنعها بؤسها من تعليمه، فالتحق بالمدرسة الابتدائية في قرية "تاوريرت موسى" المجاورة، واستطاع بفضل مثابرته واجتهاده الحصول على منحة دراسية سمحت له بالالتحاق بالمدرسة الثانوية في قرية "تيزي وزو" ثم بمدرسة المعلمين في الجزائر العاصمة.

ولأن المدرسة لم تكن مصدر ثقافته الوحيد، يتوقف لانزيني مطولا عند العادات والتقاليد الأمازيغية التي تشرّبها فرعون منذ نعومة أظفاره، وعند الحركات الثورية الأمازيغية ضد المستعمر الفرنسي التي تركت قصصها أثرا بالغا داخله، وعلى رأسها ثورة الشيخ المقراني عام ١٨٧١، بدون إهمال دور المحيط النسائي في تعليمه الرقة والمقاربة السلمية للآخر من خلال قصص كانت تسردها عمّاته وخالاته له ويتفوّق فيها منطق الرأفة والمحبة على منطق العنف.

في روايته الأولى "ابن الفقير" (١٩٥٠) التي تشكل نوعا من السيرة الذاتية، لم يسع إلى التحدث عن نفسه بقدر ما سعى إلى تصوير الشعب الأمازيغي الذي انتمى إليه

التزام
وبعد تخرجه، اشتغل فرعون في التعليم فعاد إلى قريته وعين فيها مدرسا عام ١٩٣٥، ثم انتقل عام ١٩٤٦ إلى المدرسة التي استقبلته تلميذا في قرية تاوريت موسى. وانطلاقا من عام ١٩٥٢ نشط في إطار العمل الإداري التربوي قبل أن يُعين مديرا لمدرسة "نادور" في العاصمة عام ١٩٥٧ ثم مفتشا لمراكز اجتماعية عام ١٩٦٠. ولسد النقص في الإمكانيات الموضوعة في تصرّفه، لجأ إلى أنماط تربوية حديثة -بما فيها اللعب- لتنمية حب المعرفة لدى تلاميذه.

وإلى جانب جهده التربوي اللافت، يكشف لانزيني نشاط فرعون النقابي الذي حاول من خلاله مواجهة سياسة التمييز العنصري التي اتبعها المستعمِر الفرنسي في جميع المجالات، وأدّت إلى إفقار الجزائريين وتجويعهم وإذلالهم ومصادرة أراضيهم، مما دفع بالكثير منهم إلى مغادرة البلاد للعمل في المنفى بظروف صعبة، كما فعل والد فرعون طوال حياته.

أما نشاط فرعون الكتابي، فيتناوله لانزيني بشكل مسهب، داخل السيرة وفي ملحق خاص في نهايتها، مبينا قيمته الأدبية الكبيرة ومضمون كتبه المثير الذي يعكس فكرا سلميا نبيلا ونفاذ بصيرة بالنسبة إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي عايشها، وبالتالي التزاما بقضايا أمته بعيدا عن أي تطرّف.

ففي روايته الأولى "ابن الفقير" (١٩٥٠) -التي تشكل نوعا من السيرة الذاتية- لم يسع إلى التحدث عن نفسه بقدر ما سعى إلى تصوير الشعب الأمازيغي الذي انتمى إليه، بعيدا عن المقولات المتداولة حوله.

وفي رواية "الأرض والدم" (١٩٥٤) قارب موضوع المنفى بصعوباته ونتائجه على شخصية المنفي، كما تناول موضوعي الهوية والشرف. وفي كتاب "أيام قبائلية" (١٩٥٤) صوّر بأمانة مؤثرة وطرافة مشاهد من الحياة اليومية في القرى الأمازيغية. وفي رواية "الدروب الوعرة" (١٩٥٧) كشف -من خلال قصة حب- صدام ثقافتين: الثقافة التقليدية للقرية الجزائرية وثقافة المهاجر، واستعان بشخصية نسائية فرنسية لنقد سلطة الاستعمار.

فرعون ليس من أولئك الذين يعتقدون بأن الفرنسية هي حتما لغة الاستعباد والاستعمار الثقافي، بل ما سمح له بفهم الآخر وتفسير نفسه وقول اشمئزازه وقرفه لأكبر عدد ممكن

سلاح مشترك
وفي البحث الذي يحمل عنوان "أشعار سي محند" (١٩٦٠) عمد فرعون إلى ترجمة عدد كبير من قصائد الشاعر الأمازيغي سي محند، وإلى استخلاص المراحل الرئيسية لحياته، ومن خلال ذلك إلى تقديم شهادة إضافية على مقاومة الشعب الأمازيغي للاستعمار الفرنسي بواسطة الشعر التقليدي.

وفي ديوان "رسائل إلى الأصدقاء" (نشرعام ١٩٦٩) نقرأ جزءا مهما من مراسلاته مع أساتذة وأدباء وناشرين، مثل إيمانويل روبليس وألبر كامو. وبينما يتألف كتاب "الذكرى" (نشر عام 1972) من نصوص متفرقة قارب فرعون فيها الأدب الجزائري أو موضوع الاستقلال الحتمي لوطنه، رصد رواية "مدينة الورود" (نشر عام ٢٠٠٧) التي لم يتمكن من إنجازها إلى معركة الجزائر العاصمة وجعل منها استعارة لاستحالة التعايش بين الجزائريين والفرنسيين في الجزائر.

أما كتاب "يوميات" (١٩٥٥-١٩٦٢) فيشكل شهادة قيمة على حرب الجزائر لوصف فرعون فيه أحداث هذه الحرب الصغيرة والكبيرة، كما يشكل مرجعا مهما يسمح لنا بمتابعة تطور موقفه من هذه الحرب التي ستحصد مئات آلاف القتلى قبل أن تجعل منه ضحيتها الأخيرة.

وحول استخدام فرعون الفرنسية لغة لكتبه، يقول لانزيني "فرعون ليس من أولئك الذين يعتقدون بأن اللغة الفرنسية هي حتما لغة الاستعباد والاستعمار الثقافي، بل ما سمح له بفهم الآخر وتفسير نفسه وقول اشمئزازه وقرفه لأكبر عدد ممكن، وبالتالي ببلوغ أرضية الآخر بواسطة هذا السلاح المشترك الذي وصفه كاتب ياسين (بجزية حرب)".

ولأن فرعون استوحى معظم كتبه من معيشه، اعتمد لانزيني عليها بشكلٍ كبير لكتابة سيرته، كما يتجلى ذلك في الاستشهادات الغزيرة المقتطفة من هذه الكتب والتي تمنح نصه بعدا أنطولوجيا أكيدا. وفي حال أضفنا الأسلوب الجميل والشيّق الذي صقله لكتابة هذه السيرة ومعرفته العميقة بتاريخ الجزائر التي تظهر في استطراداته التي لا تحصى حول هذا الموضوع، لتجلت لنا كل قيمة عمله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المثقفون وحرب الجزائر

يعالج كتاب “التزامات وتمزقات.. المثقفون وحرب الجزائر” الصادر مؤخرا عن دار غاليمار ومعهد ذاكرة النشر المعاصر بفرنسا، تاريخ الصراع الفكري الذي دار بين أشهر المثقفين الفرنسيين ونظرائهم الجزائريين بسبب وقوف بعضهم ضد استقلال الجزائر، ونضال البعض الآخر من أجل جزائر مستقلة.

Published On 8/11/2012
رواية" حادي التيوسط لأمين الزاوي

تبدأ رواية “حادي التيوس” من خبر صحفي بإحدى الصحف الجزائرية حيث تظهر على الصفحة الأولى صورة لثلاث أجنبيات متحجبات يعلن دخولهن الإسلام ويبحثن عن أزواج من المسلمين. لينطلق صاحبها أمين الزاوي في محاولة تفكيك الذهنية العربية والمواطن الجزائري في علاقته بالمرأة وبالغرب.

Published On 6/1/2013
واسيني الأعرج ضيفا على معرض الدار البيضاء

الروائي الجزائري واسيني الأعرج يعد أحد رواد فن الرواية التاريخية في العالم العربي، إذ لا يفتأ يقترح على القارئ تجارب مجددة هي خلاصة زيارات متواترة للتاريخ العربي تارة وللتاريخ الجزائري بوجه خاص تارة أخرى.

Published On 15/4/2013
مليكة مقدّم.. أدين بكلّ شيء للنسيان..

بروايتها “أدين بكل شيء للنسيان” ترصد الجزائرية مليكة مقدّم المتغيرات الاجتماعية والسياسية بالجزائر بعد الاستقلال، وما أفرزته من ظواهر اجتماعية سلبية وتأثيراتها على حياة الناس، وعبر ومضات لذاكرة البطلة المثقلة تظهر الشروخ والتداعيات الخطيرة التي خلفتها التحولات السياسية حتى “العشرية السوداء”.

Published On 25/5/2013
المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة