"الشرق الغامض" رؤية غربية منصفة لتاريخنا

أنطوان جوكي-باريس
 
لا بد للقارئ الغربي من تصفح الكتاب الذي وضعه المؤرخ الفرنسي فرانسوا رينار مؤخرا تحت عنوان "الشرق الغامض وهراءات أخرى"، لتغيير رؤيته المغلوطة وأفكاره الخاطئة التي تتحكم في نظرته لتاريخنا.

ففي نص يتجاوز ٤٠٠ صفحة وصدر حديثا عن دار "فيار" الباريسية، يعبُر هذا الباحث 25 قرنا من التاريخ بهدف إظهار الدور الرائد الذي لعبته شعوب منطقتنا في سير العالم على مر الزمن، وبالتالي تبديد جهل الإنسان الغربي لهذا الدور.

وفي القسم الأول من بحثه، يذكر رينار أن الحضارات الأولى ظهرت في منطقة الهلال الخصيب، وأن الحضارة الإغريقية التي يضعها الغرب بداية لتاريخه هي شرقية في طبيعتها وعلاقاتها وحتى أبجديتها، وهذا ما يفسّر توسّع إسكندر المقدوني شرقاً في حملاته وليس غرباً حيث لم يكن هناك شيء يثير اهتمامه وحلمه في بلوغ وحدة وانسجام مع شعوب وثقافات منطقتنا.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحضارة الرومانية التي يعتبرها الغرب المرحلة الثانية من تاريخه، في حين لم ير الرومان في الشعوب التي تقع غرب روما سوى "برابرة" وركزوا اهتمامهم على مدن الضفة الشرقية من حوض المتوسط، وعلى رأسها قرطاجة التي نافست روما وكادت تهزمها. وهذا ما يفسر وقوع جميع المواقع الأثرية الرومانية الكبرى في ليبيا وتونس وسوريا والأردن، وليس في أوروبا.

رينار يعتبر أن الغربيين يخطئون في اعتقادهم بأن الإسلام إيمان غريب عن تقاليدهم، لأن القواسم المشتركة بين الديانات التوحيدية الثلاث لا تحصى، ولأن الإسلام هو تكملة وخاتمة للرسالة الإلهية

تبديد الافتراءات
وحتى الديانة المسيحية التي يظن الغرب أنها من صميم هويته، انبثقت وتشكلت عقيدتها في شرقنا على مدى قرون طويلة كما يقول رينار، ولم يكن أسقف روما آنذاك سوى بطريرك من بين خمسة بطاركة على رأس الكنيسة، والأربعة الآخرون هم بطريرك قسطنطينية وبطريرك أنطاكيا وبطريرك القدس وبطريرك الإسكندرية.

ويعتبر رينار أن الغربيين يخطئون في اعتقادهم بأن الإسلام إيمان غريب عن تقاليدهم، لأن القواسم المشتركة بين الديانات التوحيدية الثلاث لا تحصى، ولأن الإسلام هو تكملة وخاتمة للرسالة الإلهية.

وبعد توضيحه مفهوم الجهاد وإظهاره بالأمثلة أن التاريخ الإسلامي يبقى أقل عنفا من التاريخ المسيحي أو اليهودي، يتوقف رينار عند ملحمة الفتوحات الإسلامية التي مكنت المسلمين خلال قرن واحد من التمدد من المحيط الأطلسي وحتى أطراف الهند والصين، مبينا أن معركة "بواتيي" التي تُركز عليها مناهج التاريخ في أوروبا هي مجرد معركة صغيرة لا أهمية فعلية لها.

كما يفضح رينار مبالغة المؤرخين الأوروبيين في تعظيم شأن الحقبة "الكارولينجية" عبر مقارنته إمبراطورية شارلمان بالإمبراطورية العباسية المعاصرة لها، وكشفه في هذا السياق أن عدد سكان أكبر مدينة أوروبية آنذاك -وهي روما- لم يكن يتجاوز ثلاثين ألف نسمة، بينما تجاوز عدد سكان بغداد المليون نسمة.

وبينما طغى التزمت الديني والعنصرية على إمبراطورية الأول كما المؤلف، تعايشت ست ديانات وشعوب لا تحصى في الإمبراطورية العباسية وازدهرت العلوم والفنون داخلها بشكلٍ فريد.

ومن بغداد ينتقل رينار إلى حكم العرب للأندلس الذي يعتبره مرحلة حضارية نادرة في تاريخ البشر، بتسامحه الديني وغناه الثقافي والهندسي، مقارنة بتخلف وعنف الحكم الكاثوليكي لإسبانيا انطلاقا من عام ١٤٩٢ الذي كانت نتيجته طرد المسلمين واليهود من هذا البلد وتسلط محاكم التفتيش الدينية على أبنائه حتى القرن التاسع عشر.

النهضة الأوروبية
وبعد وقفة عند الحروب الصليبية يبين خلالها أن هذه الحروب لم تحتل أهمية كبيرة في الوعي الجماعي المسلم إلا مؤخرا، لكونها لم تهدد إطلاقا الإمبراطورية الإسلامية التي كانت تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، يلاحظ رينار أنه في كل مرة تغلغل فيها العالم المسيحي الغربي داخل العالم الإسلامي لم يكسب أراضي فقط بل ومعرفة في جميع المجالات العلمية والفلسفية والفنية، خصوصا في إسبانيا وصقلية.

بينما طغى التزمت الديني والعنصرية على إمبراطورية شارلمان، تعايشت ست ديانات وشعوب لا تحصى في الإمبراطورية العباسية وازدهرت العلوم والفنون داخلها بشكلٍ فريد

وبفضل هذه المعرفة العربية التي تنكشف لنا في هذا القسم بكل غناها، انطلق عصر النهضة في أوروبا، في نظر رينار.

أما نظرية الانحطاط في العالم الإسلامي مع بداية القرن الثالث عشر فيرى المؤرخ فيها مبالغة وعدم دقة تاريخية، لأن الإسلام تابع توسّعه في القرون الثلاثة اللاحقة. فإلى جانب المغول، اعتنقت شعوب كثيرة هذه الديانة في أفريقيا وبنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا، حيث يعيش اليوم أكثر من نصف المسلمين في العالم.

وفي تلك الفترة ظهرت سلالة السلطان "بابر" التي كان لها إنجازات فنية وهندسية رائعة في الهند الشمالية، والسلالة الصفوية التي استعادت بعضا من أمجاد بلاد فارس السابقة، والسلالة السعدية في المغرب التي تمكنت من توحيد البلاد وطرد البرتغاليين من معظم المرافئ المغربية.

ولا يتردد رينار في وصف هذه المرحلة من تاريخ منطقتنا "بالنهضة" حين يتناول في القسم الثاني من بحثه ولادة وتوسع السلطنة العثمانية وطابعها الشمولي الذي تجسد بتعايش أكثر من سبعين قومية وطوائف دينية لا تحصى داخلها، بينما كانت أوروبا تعيش حروباً ومجازر رهيبة بين كاثوليك وبروتستانت.

تلك النهضة يلاحق الباحث معالمها بإسهاب مبينا كيف انتقلت في القرن التاسع عشر إلى العالم العربي، قبل أن تقطع أطماع بريطانيا وفرنسا دابرها مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى.

وإذ يرصد رينار القسم الثالث والأخير من بحثه لمرحلة الاستعمار الأوروبي لمنطقتنا ونتائجه السلبية، كالقضاء على حلم الوحدة العربية وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين والحروب العربية الإسرائيلية، يتوقف ملياً فيه عند مسلسل استقلال الدول العربية وأحداثه الدموية.

كما يتوقف عند النزعة القومية التي اجتاحت منطقتنا وأدّت إلى مجيء أنظمة بوليسية دكتاتورية مهّدت بعنفها وفسادها السبيل لتنامي النزعات الأصولية ولانطلاق شرارة الثورات العربية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كان اقتباس الكاتب التونسي الشاب زياد بكير صائبا لجملة الشاعر المصري جورج حنين "الروح الضاربة متلألئة وضاحكة"، كفاتحة لروايته الأولى الصادرة بالفرنسية، فالجملة لا تمنحنا فقط تصورا سابقا لما ينتظرنا داخل نصه الروائي، بل تصلح أيضا لوصف شخصيته الرئيسية وكاتبه معا.

صدر للمؤرخ والاختصاصي في شؤون الشرق الأوسط هنري لورانس كتاب جديد يحمل عنوان "تواريخ شرقية" ويتضمن مقالات له نشرت في مجلة "التاريخ" الفرنسية في فترة العشرين عاما الأخيرة وتشكل حصيلة للأبحاث التي وضعها هذا المؤرخ اللامع حول تاريخ شرقنا القديم والحديث.

يصف علماء ومستشرقون المفكر المسلم محمد أسد (ليوبولد فايس قبل الإسلام) بحلقة الارتباط الوثيقة، أو نقطة التلاقي العملية المشتركة بين الغرب الذي ولد وعاش فيه شبابه، وبين الشرق الذي أحبه واعتنق ديانته وعاش فيه معظم حياته مدافعا عن قضاياه مفكرا وسياسيا.

انعكس عشق الكاتب والناشر التركي الكردي عبد الله كسكين لصوت أم كلثوم الذي أسره، وللموسيقى العربية عموما، على عمله، وكان لذلك دور كبير في جذب اهتمامه إلى الثقافة العربية، فحرص على انتقاء مؤلفات عربية مختلفة لترجمتها إلى التركية والكردية ونشرها.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة