مكتبات الأرصفة بالبصرة.. تراث يقاوم المتغيرات

عبد الله الرفاعي–البصرة

 
في ساحة "أم البروم" الشهيرة بالبصرة يفترش ناصر سالم منذ ستينيات القرن الماضي الأرض ويبيع الكتب والصحف، وصار في ما بعد مرجعا لكل مثقفي المدينة حتى أطلقوا عليه لقب "ناصرأبو الجرايد" وكتبوا فيه القصائد والمسرحيات، وكان آخرها أوبريت باسمه من تأليف الشاعر داود الغنام، وألحان يوسف نصار، وإخراج المخرج البصري هشام شبر.
 
الساحة التي كانت شاهدة على مختلف الأحداث منذ أن كانت مقبرة، وسميت في ما بعد بساحة أم البروم عام 1875 كانت طوال العقود الماضية ساحة للثقافة والمعرفة وتعج ببائعي الكتب والصحف والمجلات، لحظات للمعرفة تتيحها أيضا أوقات التسكع والتجوال.
 
تقاليد بصرية عريقة، يستذكرها سالم مشيرا إلى أوائل الذين كانوا يتخذون من الأرصفة فضاءات لبيع الكتب بأنواعها والصحف، منهم كما يقول ظاهر حبيب وعبد الحسن حاجم ووشاح حمود في منطقة العشار ومحمد صحين في منطقة المعقل وعبد القادر العيداني في منطقة الجمهورية.
 
لم يبقَ من هؤلاء على قيد الحياة حاليا إلا العيداني، ويقول سالم إنه قبل عام 2003 كان يستلم بضاعته من الدار الوطنية للنشر والتوزيع، إلا أن تلك الدار توقفت بعد ذلك عن التوزيع، وتأسست شركات للتوزيع، ومنها شركة الازدهار في بغداد والتي توزع إلى عموم المحافظات.
 
ناصر سالم (يسار) أقدم صاحب مكتبة على الرصيف في البصرة (الجزيرة)
تغير الزمن والذائقة
انتشرت المكتبات العصرية، إلا أن مكتبات الرصيف ما زالت مستمرة بالعمل في ميادين البصرة وشوارعها الرئيسية، جاءت أجيال جديدة بأفكار متجددة، وأضافت إلى تلك المكتبات الأقراص المدمجة التي لها رواج أكبر من الكتب بعدما عزف كثير من الشباب العراقيين عن القراءة.
ويقول الناقد خالد خضير الصالحي عضو اتحاد الأدباء العراقيين في حديثه للجزيرة نت إن مكتبات الأرصفة تتبع ذائقة الجمهور المتغيرة، ولهذا انتشرت الكتب الدينية وكتب التنجيم، وغيرها من الكتب.

أما الكتاب الجيد -كما يقول- فلم يعد له رواج كبير، ولم يبقَ إلا في أمكنة معروفة في العراق كشارع المتنبي ببغداد، مشيرا إلى أن مكتبات الأرصفة تحولت إلى دكاكين لبيع الحقائب المدرسية وغيرها من القرطاسية، بفعل حاجة السوق.

‪حيدر علي وهيب: أصحاب المكتبات أصبحوا يستوردون الكتب تبعا لطلبات الزبا‬ (الجزيرة)

تراجع الإقبال
ويقول صدام عبد الجليل، وهو صاحب مكتبة على الرصيف للجزيرة نت، إن عمله متعب جدا بسبب أجواء الطقس في الصيف أو الشتاء، فيما لم يكن البيع بالشكل الذي يحقق ربحا، حيث إنه في ما مضى كان يتم إرجاع الكتب إلى دار النشر إن لم يتم بيعها وتسمى "المرجّع"، لكن اليوم تتكدس الكتب، ويتحمل البائع الخسارة.

ويقول صاحب مكتبة الدعاء بالعشار حيدر علي وهيب إن تجارة الكتب جيدة في البصرة، خاصة في ما يتعلق بالكتب الدينية المختلفة والكتب العلمية، حيث يتم استيرادها من بيروت وإيران، وهناك كتب قليلة من إصدارات مطابع العراق.

وأشار إلى أن الذائقة اختلفت مع حالة الركود الثقافي السائدة وتغير الاهتمامات وتراجع الإقبال على الكتب ذات الطابع الفكري وتأثير الإنترنت، فأصبح أصحاب المكتبات يستوردون الكتب تبعا لطلبات الزبائن.

من جانبه، يرى حسين يوسف صاحب المكتبة العلمية بالبصرة أنه في السنوات الأخيرة بدأت الحياة تدب في دور النشر العراقية، خاصة أنه لا توجد رقابة على المطبوعات كما كان يعمل به قبل عام 2003، يضيف في حديث للجزيرة نت، إلا أن بيروت هي المصدر الرئيس للكتب بعد أن توقف الاستيراد من سوريا بسبب الأحداث فيها.

ويؤكد أن أغلب الزائرين لمكتبته من طلبة الجامعات والمعاهد، وذلك لوجود كتب علمية وأدبية، وأن أسعارها تختلف تبعا لدار النشر، حيث إن الكتاب المطبوع في بيروت غالٍ، خاصة الكتب الطبية التي يصل سعرها إلى أكثر من ثلاثمائة دولار، وعادة ما يتم جلبها حسب الطلب.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

فقد سوق السراي أو سوق الوراقين البغدادي العريق الذي بيعت فيه أول رزمة كتب أواخر العصر العباسي بريقه جراء الانفجار الأخير الذي أدى إلى تدمير معظم المكتبات والمطابع وبقايا مباني الصحف العراقية التي عاصرت عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

صدر عن إحدى دور النشر الرومانية كتاب عن الرئيس العراقي صدام حسين. ويروي الكتاب قصة حياة الرئيس العراقي منذ سنوات طفولته حتى حرب الخليج. وقال مؤلف الكتاب ألكسندرو بيترليسيانو إن الكتاب ولد نتيجة للتأثر الذي شعر به لدى زيارته الأولى إلى العراق.

لا تحتاج مكتبة الفلفلي إلى إعلان للتعريف بها، فالعراقيون وكثير من السياح يعرفون الطريق إلى هذه المكتبة التي تتخذ لها مكاناً بين مئات المكتبات ودور النشر الموجودة في شارع والمتنبي وسوق السراي بجانب الرصافة من بغداد قرب السراي القديم.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة