"أرض المدامع" سطوة الواقع وذاكرة الألم

إبراهيم الحجري-الدار البيضاء
 
غير بعيد عن العالم المقيت، الذي صوره في روايته "سرير الأسرار" الصادرة عن دار الآداب سنة 2008 أطلق الروائي المغربي البشير الدامون روايته الجديدة "أرض المدامع" عن المركز الثقافي العربي، وتنطلق الرواية الجديدة من نفس الفضاء القديم "الدار الكبيرة" أو الماخور، وكأنه يسلح الشخصية نفسها لينطلق بها في رحاب جديدة من الحبكات والتحولات والصراعات.

تنتقل الفتاة التي فتحت عينيها في "الدار الكبيرة" لتستقر مع أسرة محافظة تتبناها وتمنحها الرعاية اللازمة كي تدرس وتتفوق في تعليمها، ثم تنتقل إلى الجامعة لاستكمال دروسها، لتجد نفسها في دوامة جديدة من العلاقات والتحديات، خاصة بعد دخولها تجربة النضال السياسي ومشاركتها في أحداث الريف الدامية سنة 1984م.

هي رواية عن الحب والفقدان والثورة والأحلام وعن انتكاسات متبوعة بقدرة كبيرة على المقاومة والانبعاث

سطوة الواقع
تشكل"أرض المدامع" رواية يتقابل فيها الواقع والأحلام، ويفرض التاريخ سحره ويعلن الحاضر سطوته وقسوته، حيث الساردة والسارد يهيمان في رحلة الكشف عن سر يضيء وجودهما وعن كنز يعيان أن الطريق إليه حارق.

هي رواية عن الحب والفقدان والثورة والأحلام وعن انتكاسات متبوعة بقدرة كبيرة على المقاومة والانبعاث. رواية قاسية لما تحمله بين طياتها من ألم متعدد: ألم الذات التي قدر لها أن تكون فاقدة للهوية لقيطة بلا أصول، وألم الواقع العفن الذي يستهتر بالحقوق.

واقع يتعامل فيه مع البشر على أساس أنهم أشياء تافهة: فقر وعري وفساد وقهر وعنف وتهميش ومصادرة لأبسط حقوق العيش. وألم النحس المطارد للشخوص الروائية التي فشل أغلبها في بلوغ مراميه، وتحقيق برنامجه السردي المتمثل في الكنوز المبحوث عنها، والتي أضحت كلها فخاخا ومتاهات تتعثر فيها وبواسطتها خطوات الرواة والشخصيات.

فالساردة عانت عذابا نفسيا داخليا جراء حرمانها من والديها اللذين تخليا عنها قبل أن تفتح عينيها على العالم، وجراء عار لم ترتكبه ظل يطاردها طيلة حياتها مثل نحس. العار الذي سببته لها نشأتها في ماخور، ناهيك عن المأساة التي عاشتها وسكان مدينتها تطوان بفعل مشاركتهم في أحداث الريف، حيث تحولت شوارع المدينة إلى فوضى من الحرائق والجثامين والدماء، وأصابت الجيش لوثة قوية لإشعال العنف والاعتقال والتعسف والتعذيب لكل من شارك في المظاهرات الصاخبة للمطالبة بالإصلاح والتغيير، قصدا أو صدفة.

فضلا عن ذلك، فالمحكي الروائي للدامون يستعرض نتفا من تاريخ المغرب في شقيه القديم على العهد الروماني، والحديث على عهد النظام السابق إبان سنوات الرصاص، حيث حصد القمع الهمجي أرواح الآلاف وعذب عشرات الألوف في سجون مجهولة تحت الأرض بسبب الانتفاضات الشعبية التي عرفتها كل جهات المغرب بتأطير من الفصائل الشيوعية التي نادت بالتغيير الشامل والحكم الجمهوري بدل الملكية.

في ظل الأحزان التي يؤججها مسرد الرواية لم يتبق للشخوص سوى الهروب عبر الخيال لمعانقة أحلام قد لا تجيء إلا على سبيل المجاز، وذاك ما فعلته الساردة بطلة الرواية عبر حلمها بحوريات ينتشلنها من كوابيس الواقع، قبل أن تقرر الإفلات والعودة في حين لاذ أحمد -رفيقها في النضال- بالجنون، ولاذ أمير وأسرته بالهروب إلى إسبانيا بحثا عن وكر هانئ.

تبقى رواية "أرض المدامع" حفرية ثانية من حفريات الدامون في تاريخنا الشخصي المنسي، وترميما لشروخ ذاكرة أفزعتها العواصف والهبات العنيفة

كنوز ومدامع
رتب الروائي محكيه وفق تمفصلات متداخلة وعنون كلا منها بمدامع، كل مدمع ينجم عن كارثة أو خسارة سببها استتباع كنز ما. هذه الكنوز تعد بمثابة المحرك للشخصيات، وأولها كنز الثورة حيث الحلم بالتغيير التي تنشدها الساردة انسجاما مع متغيرات مجتمعية ناجمة عن عمل التيارات الماركسية وتشكل فصائل حزبية وتنظيمات سياسية تتبناها في مغرب السبعينيات والثمانينيات.

آنذاك قادت تعبئة جماهيرية شاملة توجت بإضرابات ومظاهرات عارمة ودموية في العديد من المناطق المغربية طالبت بالتغيير وأنشدت توجهات شيوعية، ومنها منطقة الريف التي تتحدث عنها الرواية، إذ قوبلت بقمع شرس من قبل الجيش أودى بعدد كبير من الضحايا، وامتلأت خلالها مقابر جماعية. فتحولت تلك الأحلام كوابيس وجنونا لدى الكثير ممن حلم بالكنز.

كنز الذهب المتوهم الذي أرق عائلة قصر الباشا مدفوعين برؤية مزعومة من طرف الطائفة الكناوية بالمدينة التي تستند على روايات تاريخية غير دقيقة، مما سبب كوارث نفسية ومادية أدتها الأسر المتعاقبة على القصر، وورود مثل هذه الهواجس يأتي لإبراز التناقضات التي يحبل بها المجتمع، ففي الوقت الذي تموت فيه الألوف من أجل تحسين الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للبلد، ينهمك آخرون في البحث عن كنوز وهمية لا وجود لها إلا في معتقداتهم الواهية.

كنز الجسد، الذي يؤرق الساردة خاصة وأنها متهمة في عرضها بكونها ترعرعت في دور الدعارة وتربت على يد وسيطة، لذلك فهي تسعى للحفاظ على طهارة جسدها وعفتها، وقضت أوقاتا عصيبة تصارع الذات والآخر حفاظا على  شرفها المهدد في مجتمع ذكوري لا يرحم، وإن كانت هذه المناعة تهاوت في كثير من اللحظات أمام غول الحب والرغبة القاهرتين.

وبين هذه التمفصلات والأحلام والخيبات، تبقى رواية "أرض المدامع" حفرية ثانية من حفريات الدامون في تاريخنا الشخصي المنسي، وترميما لشروخ ذاكرة أفزعتها العواصف والهبات العنيفة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

من خلال نماذج كثيرة للشعر المغربي الحديث، مختلفة الأجيال ومتباينة المرجعيات والمقاربات، يحاول الباحث أحمد زنيبر في كتابه “الانحياز إلى القصيدة” استجلاء مركزية الذات الإنسانية في المتن الشعري الحديث, وينشغل برصد مظاهرها وتجلياتها، باعتبارها من مصادر إلهام الشاعر في رؤيته للعالم والأشياء.

حملت نصوص الروائيين العرب ظلال وأصداء روايات فرنسية وإنجليزية وأميركية لاتينية وروسية وألمانية وغيرها. روائع استلهم أسرارها السردية كتاب عرب، مغربا ومشرقا، فتجلت في رؤى فلسفية للحياة والمجتمع والعلاقات الإنسانية، وتقنيات سردية تقليدية أو تجديدية، ومضامين وأشكال شتى.

بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن على احترافه كتابة الرواية والشعر باللغتين العربية والفرنسية، يفتح المغربي نور الدين محقق في روايته الجديدة “بريد الدار البيضاء” خزائن ذاكرته، واضعا تجربته المنسية رهن إشارة الحكي واللغة، ومتخذا متخيل طفولته مادة طيعة للسرد.

تراهن القاصة المغربية لطيفة لبصير -في مجموعتها القصصية الجديدة “عناق”- على عنصر المفارقة الساخرة كأسلوب لفضح الواقع ومظاهر قيمه المزيفة. وقد فرض عليها هذا الرهان تغيير إستراتيجية السرد التي عهدناها في مجموعاتها السابقة، وكسرت خطية السرد، واستعارت لغة التأمل والكشف بدل التقرير.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة