غدامس.. عندما تتحول الصورة إلى نص

محمد الأصفر-طرابلس
 
بدأت التظاهرات الثقافية والفعاليات الفنية تنشط والمعارض تترى في ليبيا، حيث تستضيف دار الفنون بطرابلس حاليا معرضا فنيا للفوتغرافية الليبية جميلة الفيتوري الوحيدي أطلقته تحت اسم "تأملات في المعمار الغدامسي"، ويستمر حتى السادس من مايو/أيار الجاري.
 
وفي رواق الدار تعرض الوحيدي مجموعة من صورها، التي التقطتها لمبان معمارية تراثية قديمة لواحة غدامس الواقعة في غرب ليبيا قرب الحدود التونسية والجزائرية، والمصنفة من قبل منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) على أنها مدينة تاريخية محمية.
 
ولا تخلو الصور من عمق ورؤية حاولت الفنانة أن تبرزها لتفسر اختيارها للزوايا، وكأنها تحاكي من بنى وزين هذه الأمكنة منذ القدم، مستغلا كل فراغ في البناء ليوشحه بزينة أو يزخرفه هندسيا بواسطة المثلثات أو حروف الأمازيغ الذين يشمون بحرف التاء خاصة خدود وجباه فتياتهم ونسائهم.

غدامس، من خلال بعثها مصورة تبدو للمتأمل كأنها تدعوه إلى زيارتها، ليخرج من قاعة العرض ويشد الرحال إليها وهي على بعد 700 كيلومتر من طرابلس، لكن اللوحات تبدو أيضا مبهرة ومقنعة، وقد حملت تلك المدينة الساكنة في عمق الصحراء إلى زائر المعرض بكل زينتها وبهرجها.

‪جميلة الفيتوري الوحيدي ركزت على تفاصيل المعمار في مدينة غدامس‬ (الجزيرة نت)

عين السائح والفنان
يؤم مدينة غدامس السياح من مختلف دول العالم، وهي مدينة قديمة يسكنها الأمازيغ والطوارق وبعض الأقليات الأخرى وتتميز بثرائها اللوني وكنوزها الفنية الأخرى من رقص وموسيقى وغناء وصناعاتها التقليدية التي تعتمد بالدرجة الأولى على سعف النخيل وجلود الجمال والطين والحجر والفضة والخرز.

زيارة غدامس لابد أن تستوقف السائح وكذلك الفنان ليتفاعل مع ما تحدثه في روحه من دهشة ومتعة، وهو ما بدا واضحا في لوحات الوحيدي التي لم تلتقط الصور بعين سائح وإنما بعين فنان يقتنص أشد اللحظات حرارة في المشهدية، واعتمدت في صورها على الضوء والظل وحافظت على نقائها من تدخلات (الفوتو شوب) المحسنة والمعالجة لأي خطأ فني يأتي نتيجة عدم ولادة الإحساس عبر المَلكة الفنية.

الوحيدي الحاصلة على إجازة في الرسم والتصوير وتصميم الغرافيك من جامعة طرابلس وكلية لاسال بكندا، اعتمدت في التقاط صورها على ما تمتلكه من خبرة وتخصص في هذا المجال، فالبدائية التي أسبغتها على صورها لم تكن عفوية وإنما مقننة وخاضعة لما تعلمته في الجامعة عن فن التصوير.

واختيارها للصروح المعمارية كان متنوعا حيث إنه شمل كل ما في غدامس من معمار قديم من مساجد وبيوت وأزقة وقباب وصوامع وغيرها، واستطاعت عبر هذه الصور أن تجلب إلى قاعة العرض المعمار الغدامسي الأبيض والمؤثث بأنسجة وطنافس وحصر وأطباق ذات ألوان بهيجة يجيد الأمازيغ  والطوارق التعامل معها وتزيين بيوتهم ومحلاتهم بها.

غدامس ملتقى القوافل منذ القدم ما زالت حاضرة بقوة وقلما يزورها فنان أو كاتب دون أن يتعاطى معها إبداعيا. ويقول الفنان الليبي المخضرم مرعي التليسي عن المعرض "تصحبنا الفنانة في معرضها عبر رحلة تأمل صوفي لفنون عمارة فرضت سيطرتها عبر الأزمنة على يباب الصحراء لتكون ملجأ ومأوى للقوافل العابرة وسكنا للأرواح التائهة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تستعد العاصمة الليبية طرابلس لاستضافة أول مهرجان عالمي للشعر بعد سقوط نظام القذافي حيث سيلتقي حوالي 29 شاعرا من 14 دولة في مختلف قارات العالم، لينشدوا قصائدهم ويناقشوها أمام جمهور متعطش لسماع الشعر وحضور الفعاليات الثقافية.

طوال حقبة معمر القذافي الطويلة في ليبيا ارتهنت الثقافة للنزعة الفردية التسلطية، وكرست أنشطتها لخدمة النظام وتوجهاته الشمولية، وعانى الكثير من المبدعين من قمع ومضايقات لم تمنع الأصوات الحرة من الإبداع، فكيف يتصور المثقفون الليبيون آفاق الثقافة ودورها بعد نهاية زمن القذافي.

على غرار باقي مناحي الحياة في ليبيا، يبدو المشهد الثقافي خارجا من فترة بيات طويل، ليطل برأسه باحثا عن آفاق جديدة للإبداع في ظل مناخ الحرية والتعددية، بعد أشهر الثورة الطويلة التي وضعت حدا للرؤية الأحادية التي فرضها نظام القذافي.

في أعقاب مقتل القذافي، يكتب الشاعر الأميركي من أصل ليبي خالد مطاوع قصيدته الأخيرة "بعد 42 سنة" بتسجيلية متقشفة، ومن دون فذلكات بلاغية، موّلفا سردا بصريا هو أقرب إلى اللوحة الجدارية التي تبدأ بالانقلاب الذي نفذه القذافي، وتنتهي بمشهد القبض عليه.

المزيد من فنون تشكيلية
الأكثر قراءة