تظاهرة فنية إيرانية بتونس

كمال الرياحي-تونس

 
شهد فضاء دار الثقافة المغاربية ابن خلدون بالعاصمة التونسية تظاهرة فنية فريدة نظمها عدد من الرسامين والنحاتين الإيرانيين احتفاءً بالثورة التونسية، حيث حضر الفنان العالمي طاهر شيخ الحكمائي وعدد من التشكيليين الذين أبهروا الجمهور الحاضر بإبداعاتهم.
 
وتأتي هذه التظاهرة لتكرس النشاط الثقافي الإيراني بتونس إلى جانب السينما التي أصبحت أسابيعها في القاعات التونسية من العادات السنوية. وقد تزامن هذا المعرض أو الورشة مع التظاهرات التي تقيمها الجمعية التونسية لمناهضة التطبيع التي يرأسها محمد الكحلاوي والتي أقامت ندوة صحفية في ذات الفضاء خلال أيام المعرض.

النحات الإيراني العالمي الحكمائي بصدد إنجاز نحته العملاق في فضاء دار الثقافة ابن خلدون

تمثال الثورة
ومثل حضور النحات العالمي الإيراني طاهر شيخ الحكمائي حدثا لافتا في المعرض، حيث تفاجأ الجمهور بقوالب كبيرة من "الخفّاف" لم يفهموا سبب وجودها في قلب القاعة حتى أطل الحكمائي بمعاوله وآلاته الصغيرة ومنشاره الكهربائي لتتطاير قطع "الخفاف" حوله وحول المشاهدين في فعل كرنفالي، كما تتطاير شرارات النار أو قطع الثلج لتتجسم رويدا رويدا ملامح امرأة عملاقة تنظر بشموخ نحو الأفق تحيط بها دائرة من اللهب.

نحت عملاق يجسد الثورة التونسية برمزية النار مذكّرة بالشهيد محمد البوعزيزي رمز الثورة التونسية وفتيلها الذي كان شرارة الثورات العربية اللاحقة، وبعد أن انتهى النحات من عمله وزّع على الحاضرين الشموع وتقدموا جميعا ليضعوها على قاعدة النصب التذكاري للشهيد التونسي الرمز.

واستحسن المتابعون للمعرض هذا التجسيد للثورة في شكل امرأة، حيث لم يستنسخ النحات الإيراني الحدث ولم يحاكيه محاكاة تامة، إنما جعل منه منطلقا للفعل الفني الرمزي الذي يليق بالثورة وبالمرأة التونسية التي كانت في مقدمة الجماهير الثائرة المطالبة بإسقاط النظام.

وتحدّث النحّات في اختتام المعرض عن مدى تقديره لما سطره الشعب التونسي بتمرّده على المستبد وطرده للدكتاتور، آملا أن يتحول هذا التمثال العملاق إلى عمل فني من النحاس يوضع في قلب أحد الشوارع التونسية هدية من فنان إيراني إلى شعب تونسي مثل قدوة لشعوب العالم في رفض الظلم.

كما أن "حلقة النار" التي زينت صدر التمثال فتحت أبواب التأويل على النار وعلى الجنّة فقد بدت ألسنة النار أشبه بأوراق كرمة وارفة أو هي تاج من ورود ينزاح إلى صدر المجسم تتويجا لفعل الاحتجاج الثوري.

جدير بالذكر أن الحكمائي رئيس النحاتين الإيرانيين وهو أستاذ جامعي يمارس النحت بكل فروعه، إذ يستخدم خامات كثيرة منها البرونز والحجارة و"الخفاف" والنحاس والخشب وسبق أن عرفه الجمهور العربي في دمشق ودول الخليج.

‪الفنان طاهر شيخ الحكمائي يضيء شموعا على قاعدة التمثال الذي نحته‬ الفنان طاهر شيخ الحكمائي يضيء شموعا على قاعدة التمثال الذي نحته (الجزيرة)

ورشة فنية رائدة
لم تقتصر الورشة الفنية الإيرانية على المنحوتة العملاقة بل اتسعت لمشهد آخر لا يقل كرنفالية وملحمية تمثل في رسم سلسلة من اللوحات متراصدة بشكل أفقي تجسد الرفض العربي للاستعمار والاستبداد، وتصدرت المقاومة الفلسطينية المكانة الأبرز في ذلك العمل. وقد انطلقت تظاهرة الرسم بلوحات بيضاء متراصدة بلا روح قبل أن يهجم عليها الفنان الإيراني بأقلامه وفرشاته ليحولها إلى لوحات رائعة تكشف حرفية كبيرة.

واحتلت جدران الفضاء أعمالٌ كثيرة من الكاريكاتير لعدد من الرسامين الإيرانيين تقارب المعاناة التي يتعرض لها الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي، وتروي قصص التدخل الأجنبي الأميركي في العالم، كما تبرز فظاعة الدكتاتور العربي والأجنبي من خلال صور للرئيس الأميركي السابق جورج بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون وغيرهما من رموز الشر والعنف الذي استهدف البشرية في كل أصقاع الدنيا.

ورغم قيمة التظاهرة الفنية وحتى خلفياتها الأيديولوجية والفكرية، لوحظ قلة حضور للفنانين التونسيين ولطلبة الفنون الجميلة والإعلام، وصرح أحد المسؤولين الإيرانيين بأن اللغة الفارسية التي يتحدث بها الفنانون ربما مثلت عائقا في تواصلهم مع الجمهور والإعلاميين.

لكن مع صعوبة التواصل، مثل المعرض فرصة جيدة للجمهور التونسي للتعرف على بعض من الفنون الإيرانية الحداثية المتأثرة بالحركة التشكيلية الغربية، وإن بدت الخصوصية الإيرانية الكلاسيكية المستلهمة من المنمنمات مثلا غائبة في هذا المعرض الذي بدا جامحا في عوالم ما بعد الحداثة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تجاوز الكاتب التونسي عبد الوهاب المدّب في كتابه "ربيع تونس.. تحول التاريخ" مقاربات الكتاب الذين عالجوا الثورات العربية من منطلق سياسي محض، بانتهاجه أسلوب المعرفة الأدبية والفكرية العامة، التي مكنته من توظيف الفلسفة وعلم الاجتماع ومعارف ثقافية أخرى في قراءته للثورة التونسية.

شهد القطاع الإعلامي في تونس بعد الثورة ظهور العديد من الصحف التي تحاول الاقتراب من نبض الشارع وتقديم خطاب مختلف عن "الصورة النمطية" لإعلام ما قبل الثورة، بما فيها الصحافة الساخرة التي مثلتها صحيفة "القطوس" التي تنتهج أسلوبا نقديا لاذعا.

في روايته "برج الرومي"، يكشف الأديب التونسي والسجين السياسي السابق الإسلامي سمير ساسي "الانتهاكات الوحشية" التي تعرض لها ورفاقه في فترة اعتقال استمرت عشر سنوات، ويفضح "أساليب التعذيب القاسي والمنهجي" الذي كان يمارس في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

تعرض قاعات السينما في العاصمة التونسية فيلم "النخيل الجريح" الذي يسلط الضوء على الأحداث التي جرت في مدينة بنزرت عام 1961 والتي أدت إلى مقتل الآلاف من التونسيين.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة