"أحباب الله".. رواية عن قمع نظامين

 

إيمان مهذب-تونس
 
في روايته "أحباب الله" الصادرة مؤخرا، يصور الكاتب والصحفي كمال الشارني فصولا من تجربته خلال سنوات سجنه عندما كان تلميذا زمن نظامي حكم الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ويروي تفاصيل ما حدث في تلك السنوات من اضطهاد وقمع وتعذيب خلف أسوار سجني الكاف والقصرين.
 
الرواية الصادرة عن "منشورات كارم الشريف" في 206 صفحات من الحجم المتوسط، تعدّ شاهدا على "مرحلة شديدة البؤس من التاريخ الوطني التونسي عندما كانت أجهزة القمع في الدولة البوليسية ترمي بالتلاميذ إلى المعتقلات وتخضعهم للتعذيب الوحشيّ لمجرد خروجهم في مظاهرات احتجاجا على الوضع المتردّي الذي كانت تعيشه البلاد".

وجد الشارني نفسه مع العشرات من تلاميذ المدارس الثانوية في غياهب السجون محكوما عليه بخمس سنوات، قضى منها ثلاثا في ظروف قاسية، فوثّق هذه التجربة المؤلمة "سرا" على بقايا كراسه المدرسي لمادة الفلسفة، لكنه لم يتمكن من نشر ما عاشته أجيال من التلاميذ في تونس إلا بعد سقوط نظام بن علي.

فصول ثلاثة

‪كاتب الرواية كمال الشارني تعرض للإيقاف والمحاكمة إثر مظاهرات تلاميذ عنيفة‬ كاتب الرواية كمال الشارني تعرض للإيقاف والمحاكمة إثر مظاهرات تلاميذ عنيفة (الجزيرة نت)


يبدأ الشارني روايته التي تتضمن إضافة إلى تمهيد بعنوان "للتاريخ"، فصولا ثلاثة أوّلها "الجوع والجنون"، وثانيها "تاجروين: لسنا مسؤولين عن سلامتك"، وثالثها "الأب الغائم"، بالعودة إلى بداية "محنته في السجن المدني بالقصرين شهر سبتمبر/أيلول 1986".

وفي هذه الرواية تمتزج الصور بالأحاسيس، وتحلق الكلمات بالقارئ في أماكن مختلفة لتروي له قصصا من طفولة الكاتب، وبعضا من أحلام شبابه، وجزءا من تجربته في السجن التي تركت آثارا في نفسه لم يمحوها الزمن إلى الآن.

وذكر الشارني في تصريحه للجزيرة نت أن "سنوات السجن كانت كلها ألما من أول لحظة"، حيث إن الألم كان مضاعفا وناتجا عن عذاب السجن وعن عذاب الإحساس بالظلم، "حيث وجدنا أنفسنا نحن التلاميذ الصغار ننتقل من طاولات الدراسة إلى زنزانات السجن مع مجرمين ارتكبوا جرائم بشعة في حق المجتمع".

ويصف الكاتب بلغة فيها الكثير من المرارة فصولا من يوميات السجن، حيث كان يقبع خلف جدرانه، ما تعرض له من تعذيب وتنكيل، وما عاشه من عذابات وهو بعدُ تلميذٌ.

نصوص منفصلة
ويقول الشارني في حديثه للجزيرة نت عن هذه التجربة، "بدأت في الكتاب في شهر مايو/أيار 1986، وكانت النصوص منفصلة في شكل تأملات ورواية لأحداث وقعت في السجن"، مشيرا إلى أن المساجين السياسيين كانوا ممنوعين من الكتابة، وأنه تعرض في العديد من المرات لمحاولات تفتيش انتهى بعضها بأخذ كل ما دوّنه.
بلغة فيها الكثير من المرارة، يصف الكاتب فصولا من يوميات السجن حيث كان يقبع خلف جدرانه، ما تعرض له من تعذيب وتنكيل، وما عاشه من عذابات وهو بعدُ تلميذ

ويضيف أن عنوان الرواية كان في البداية "رسالة للسيد الرئيس" حيث إن النصوص كانت في شكل استغاثة موجهة للرئيس بورقيبة آنذاك، مبينا أنه كان يشعر بـ"النقمة" كأهالي المناطق التونسية المحرومة التي تعاني من الفقر والتهميش والاحتقار.

وذكر الكاتب الذي بدأ العمل في الصحافة عام 1989، أن الرواية لا تمثل سوى "20% من المعلومات التي جمعها في السجن"، مبينا أنه محا قرابة 100 صفحة من رواية "أحباب الله" لأنها تخص أشخاصا بذواتهم.

الخيال والدموع
وعن الرواية، يقول الصحفي المختص في الشأن الثقافي والكاتب شكري الباصومي للجزيرة نت إن "أحباب الله": "رواية تقرأ بالخيال والدموع وتختلط فيها مشاعر الأمومة والأبوة والذاكرة والرغبة في الانتقام"، موضحا أن "أجمل ما في الرواية أنها لم تخضع لترتيب زمني وأن عفويتها جعلت السرد ينساب مقتحما كل المشاعر حتى صارت الأزمنة كلها والأمكنة رحبة على ضيقها".

وأشار الباصومي إلى أن هذه الرواية "توثق ما عاشه الأطفال الأبرياء بأحلامهم في السجون، تقصف فيها أعمارهم ويداس على كرامتهم، حيث يصبح السجن انتقاما بدل أن يكون تهذيبا وإصلاحا". و"كانت تلك نهاية النفق، إذ لا شيء يساوي الحرية حتى مع الجوع، ولا شيء أكثر فظاعة من السجن، خصوصا وقد كنا أبرياء، كنا أحباب الله"، بهذه الكلمات اختتم الشارني روايته التي ظلت حبيسة أوراقه الخاصة لسنوات طويلة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يعد كمال الرياحي من أهم كتاب الرواية من الأجيال الجديدة في تونس، وقد فاز بجائزة الكومار الذهبي للرواية التونسية سنة 2007 عن روايته “المشرط”، صدرت له مؤخرا روايته الغوريلا، وهو بصدد كتابة رواية ثالثة تواصل ما بدأه ليدون ثلاثية تونس المعاصرة.

تحت شعار “المسرح يحتفي بالثورة” افتتحت في العاصمة التونسية أيام قرطاج المسرحية في دورتها الخامسة عشرة بعرض فني فرجوي جمع بين الموسيقى والرقص والاستعراض، وتستمر فعاليات الدورة من 6 إلى 13 يناير/كانون الثاني” بمشاركة 14 دولة عربية ودول أوربية وأفريقية.

أصدر الكاتب والمدون الجزائري يوسف بعلوج كتاب “على جبينها ثورة وكتاب” رصد فيه مظاهر تحولات الشارع التونسي بعد الثورة من خلال عدة زيارات، كما ضمّنه حوارات معمقة مع نخبة من السّياسيين والمدونين والكتاب التونسيين.

بدأ المخرج التونسي محمود الجمني في تصوير المشاهد الأولى من فيلم “الحنظل” حول التعذيب في السجون التونسية منذ استقلال البلاد قبل 55 عاماً، موضحا أنه رسالة لفضح الاعتداءات الفظيعة على حرمة الجسد وإعلاء قيمة المواطنة بعد ثورة 14 يناير.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة