"يافا تعد قهوة الصباح" وحكايات الذاكرة

أحمد الشريقي-الدوحة
 
يتخذ الروائي الفلسطيني أنور حامد من قصة حب تجمع بين أرستقراطي فلسطيني وفلاحة هي خادمة أبيه (أبو سليم) موضوعا لروايته "يافا تعد قهوة الصباح" يطمح من خلالها لتقديم رؤية مغايرة لما اعتيد من تقديم الحكاية الفلسطينية سواء خلال الانتداب الإنجليزي أو الاحتلال الإسرائيلي.
 
وهكذا لا تحضر المقاومة مع الانتداب البريطاني في العشرينيات، ولا الهجرة اليهودية في الرواية إلا لماما، فيما يحضر الواقع الاجتماعي في العشرينيات موضوعا أثيرا لرواية أنور حامد التي جاءت عبر لوحات يوظف فيها بكثرة الفولكلور الفلسطيني والشعر الشعبي وطقوس رمضان وكعك العيد، وملامح غائرة من الواقع الفلسطيني آنذاك.
 
يزور منير (الراوي) مع صديقه الإسرائيلي (يائيل) يافا ويطّلع على تحويل مقبرة في يافا إلى فندق، عدا ذلك تمضي الحكاية في لوحات تستظهر الفولكلور الفلسطيني وجانبا من حياة شخوص روايته

لوحات فلسطينية

يستهل حامد روايته، وقد ضاق برؤية مكرورة للقضية الفلسطينية، والعجز عن تقديمها للآخر بمحاولة البحث عن قصة تصلح لرواية عن الشعب الفلسطيني، ويجد ضالته عبر صحفي يحتفظ بقصة لجده أودعها في مخطوط لديه تتحدث في مجملها عن قصة حب تربطه ببهية وسيرة ذاتية له في يافا، لكنها لا تنتهي نهاية سعيدة، ويتحفه بمفاجأة عن عنوان محبوبة جده "فؤاد" في منطقة الشونة الشمالية في أغوار الأردن، يلتقيها لماما دون حديث متبادل بينهما.

يزور منير (الراوي) مع صديقه الإسرائيلي (يائيل) يافا ويطّلع على تحويل مقبرة في يافا إلى فندق، عدا ذلك تمضي الحكاية في لوحات تستظهر الفولكلور الفلسطيني وجانبا من حياة شخوص روايته.

تبدو هذه خلاصة حكاية الرواية ومجملها، لكن الكاتب إذ يتذرع بالموضوع الفلسطيني وتحديدا مدينة يافا ثيمة لعمله الروائي، يتسم عمله بتبسيط شديد، وتغيب يافا إلا من مجموعة معلومات صحفية استقرت في ذهن المتلقي عن أن المطرب المصري محمد عبد الوهاب غنًى فيها يوما وحديث عن بيارات لا تشم فيها رائحة البرتقال.

ولو نسبت البيارات وزيارة عبد الوهاب إلى أي مكان في العالم لصح معها العمل، وما تغير شيء دون إقحام يافا فيها. ولبدا العمل معقولا لقصة يمكن أن تنتمي لسبعينيات القرن الماضي. ولو شطب اسم يافا من الرواية ذات المائتي صفحة فلا شيء يدل عليها.

تبدو رواية "يافا تعد قهوة الصباح محاولة حفر في الذاكرة إذ إنها تبتعد عن السياسي في اتجاه محاولة توثيق الحياة الاجتماعية والثقافية مقتنصة حكايا الناس وتفاصيل حياتهم اليومية

أربعون عنوانا
تكشف الرواية عن قصور في بناء الشخصيات، مثل "أبو سليم" من الشخصيات الرئيسية في العمل، فهو قوّاد وديكتاتور وشهواني وله علاقة باليهود والأميركان والانتداب الإنجليزي ووطني أيضا يخبئ الثائرين في بيته.

قد تبدو تلك شخصية غنية في ظاهرها وشخصية روائية معقدة لو أقنعنا الكاتب في روايته بأن هذه الشخصية حقيقية من خلال مسارات الأحداث أو حفر في الشخصية وتكوينها، وأسوأ من هذا أن المكان الذي يحيلنا إليه السارد (يافا) مكان فقير يمكن أن يستبدل منه حارة شامية أو أي مكان في العالم إلا يافا في عشرينيات القرن الماضي.

يحضر العمل في أربعين عنوانا فرعيا، لكنها ليست أكثر من لوحات لا تضيف شيئا إلى سياق العمل وفيها حديث عن كعك العيد، ورمضان هل هلاله، وليالي أنس 1 و2 و3 في بيت أبو سليم الأرستقراطي الفلسطيني، وعرس طارق وعيد قبل العيد، وأبو الفوز في المخبأ السري، وكلها لا تخدم العمل ولا تقيم سياقا متصلا.

في بداية روايته يوهم السارد (قناع الروائي) بمخطوط هو بصدد الحصول عليه لإنشاء رواية مذهلة مذكرا القارئ بالمخطوط القرمزي لأنطونيو غالا أو مخطوط يوسف زيدان في "عزازيل" لكن ما إن تمضي الرواية صفحات حتى يكتشف أنه لا مخطوط تشي به الرواية وإذا كانت اللوحات هي موضوع المخطوط فسيكتشف القارئ بساطة الاستهلال والإيهام الذي أراده الكاتب لشد القارئ إلى العمل.

ولأنه أيضا لا يمكن الحديث عن فلسطين دون الحديث عن نكبتها، لا شيء من ذلك يحضر، إذ تكتفي الرواية بسطور عن الهجرة اليهودية وثائر هو "أبو الفوز" لا يعلم القارئ عن ثورته شيئا إلا أنه ظل قابعا في قبو سري لأبي سليم.

تبدو رواية "يافا تعد قهوة الصباح" محاولة حفر في الذاكرة، إذ إنها تبتعد عن السياسي في اتجاه محاولة توثيق الحياة الاجتماعية والثقافية، مقتنصة حكايات الناس وتفاصيل حياتهم اليومية وتقاليدهم وأفراحهم في المدن والقرى الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عرف حسين الواد باحثا متميزا في الأدب العربي وأستاذا بالجامعات التونسية والعربية، مهتما بالشعر العربي القديم حتى خرج على المشهد الثقافي التونسي سنة 2010 برواية “روائح المدينة”، وبعد سنة واحدة ينشر روايته الثانية “سعادته…السيد الوزير” لتصل إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية.

تمثل رواية “رجوع الشيخ” للكاتب المصري محمد عبد النبي المرشحة ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية إحدى الروايات النموذجية لمقاربة موضوع معضلة النص الروائي الأول، ويمكن اعتبارها المعادل الإبداعي لكتاب ماريو فارغاس يوسا “رسائل إلى روائي ناشئ”.

في رواية “حدائق الرئيس” يحاول الكاتب العراقي محسن الرملي تلمس بعض جوانب الجحيم العراقي وذلك ضمن توجه دور النشر العراقية لإصدار أعمال إبداعية ترصد حقبة خطيرة بدأت مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لتصل الذروة عام 2006 عندما برزت ظاهرة العنف الطائفي.

ليست هذه المرة الأولى التي يحاور فيها الروائي واسيني الأعرج الأدب العالمي في أعماله، فقد سبق أن حاور رواية “دون كيشوت” لسيرفانتس في أعمال عديدة، و”كارمن” في روايته “سيدة المقام”، وتأتي روايته “أصابع لوليتا” لتستدعي نصا أدبيا شهيرا هو “لوليتا” لفلادمير نابوكوف.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة