الربيعي: القارئ خارج منطقة الشعر

عبد الرزاق الربيعي: علينا أن نقرأ الثورات العربية من زاوية ثقافية (الجزيرة نت) 

حاوره/ محمد الحمامصي

تعد تجربة الشاعر العراقي عبد الرزاق الربيعي نسيجا شعريا خاصا في رؤيته وأسلوبه وروح لغته، التي تضفي عليها الغربة والحياة وآلام العراق بعدا إنسانيا عميقا، امتد في مجموعاته الشعرية العشرة بدءا من "إلحاقا بالموت السابق"، و"حدادا على ما تبقى"، مرورا بـ"غدا تخرج الحرب للنزهة" و"قميص مترع بالغيوم".

وصدر للربيعي -عن مؤسسة شمس بالقاهرة- مؤخرا الطبعة الثانية من ديوانه "خذ الحكمة من سيدوري"، متضمنا 37 قصيدة، وقراءات نقدية لعدد من النقاد، حول ديوانه وتجربته الشعرية والحياتية. وكان للجزيرة نت معه هذا الحوار.

في الصفحة الأخيرة من "خذ الحكمة من سيدوري" معلومة تشير إلى وجود مجموعتين شعريتين لك تحت الطبع، لماذا لم تطبعهما وتعيد طباعة مجموعة صادرة عام 2006؟

غلاف ديوان "خذ الحكمة من سيدوري"
– هذا صحيح، لدي على الأقل مجموعتان جاهزتان للطباعة، ولكنني تريثت في طباعتهما، باعتبار أن الظروف الراهنة التي نعيشها تجعل القارئ يعيش خارج نطاق منطقة الشعر.

لذا فأي نص ينشر ضمن هذه المناخات الخانقة يحترق ويلقى في غابة النسيان، إلا إذا كان نصا مباشرا يصلح أن يكون مادة استهلاكية لوسائل الإعلام المتنعمة بقطوف الربيع العربي من أخبار عاجلة ساخنة لتقرأ.

فنسمات الربيع المنعشة للعقل العربي قراءة تتناسب مع أجنداتها، تلك الوسائل وأمثال هذا النص لا أدانيه ولا يدانيني. وكنت قد عقدت العزم على طباعة مجموعة جديدة عام 2011 ولكنني لم أجد من المناسب ذلك، ليس فقط خشية ضياعها وسط الضجيج بل لكسب الوقت من أجل مراجعتها.

نصوصك تحتفل بالأشياء، ولا صلة لها بالمتغيرات السياسية، إذن  لماذا المراجعة؟

النص الإبداعي
ليس كتابا منزلا، إنه عجينة طرية في يد الصانع، تبقى صالحة للتشكل في أي وقت

– نعم، أميل في نصوصي إلى تأمل العالم والأشياء من حولي وهذا لا يعني أنها منبتة عن الواقع، فكل كلمة أكتبها مهما كانت محلقة بأجنحة الخيال تستمد ضوءها ووهجها من جذورها الممتدة في أرض الواقع، والمراجعة هنا تكون من الناحية الفنية، فالذي حدث في المنطقة العربية يتطلب منا مراجعة أدواتنا، وطرائق الكتابة وآلياتها.

علينا أن نقرأ الثورات العربية من زاوية ثقافية، وليس فقط من زاوية تغيير أنظمة وحكومات وسقوط شعارات وأصنام، فما جرى يشكل صدمة، والنص الشعري يجب ألا يكون في معزل عن الواقع وصدماته، لأنه إن لم يفعل ذلك يصبح معزولا، متخشبا، فائضا عن الحاجة مثل قطعة مهملة في مخزن، لذا ينبغي أن يمد الربيع ظله على النص الشعري، وسط هذه المراجعة، لذا أرجأت نشر مجموعتي الجديدة وبالفعل بدأت أعدَل فيها.

وهل تراجع كثيرا ما تكتب؟

– النص الإبداعي ليس كتابا منزلا، إنه عجينة طرية في يد الصانع، تبقى صالحة للتشكل في أي وقت، وما من مرة راجعت فيها نصا إلا أجريت فيه تعديلات، لذا لا أحب قراءة نصوصي القديمة خوفا من التبديل والتعديل، وهذه من بديهيات الكتابة.

ولم وقع اختيارك على هذه المجموعة دون سواها؟

علينا أن نقرأ الثورات العربية من زاوية ثقافية، وليس فقط من زاوية تغيير أنظمة وحكومات وسقوط شعارات وأصنام، فما جرى يشكل صدمة، والنص الشعري يجب ألا يكون في معزل عن الواقع وصدماته

– لأنها غير متوفرة لدي، فقد طبعت قبل خمس سنوات ووزعت في العراق، ولكنني أنحاز لهذه المجموعة التي احتلت حيزا وجدانيا خاصا في روحي، فقد كتبتها بعد سنوات طويلة من الغياب عن الوطن، وكانت قد زالت أسباب الغياب بزوال النظام السابق، وعادت الطيور المشردة وبدأ أصدقائي يذهبون للعراق ويعودون ليحدثوني عن مراتع الطفولة والشوارع التي سرت فوق ظهرها والمدن التي عشت فيها، ورغم طوفان الحنين إلا أن تلك التفاصيل المدهشة لم تقوض الجدار النفسي السميك الذي نشأ بيني وبين الوطن.

ولكن لماذا بقي هذا الجدار النفسي قائما مع حصول العديد من المتغيرات التي تجعل الوطن مختلفا بالنسبة لك ولتجربتك الشعرية؟

– هنالك جملة من الأسباب، من بينها الخوف من مشاهدة آثار خطوات الزمن على وجوه الأمكنة والأفراد، ووحشة مكان الجدة والأب اللذين غيبهما الموت في زمن الغياب، ومن ثم تبعتهما الأم لتصم ظهر فكرة العودة هذا من زاوية شخصية، أما من ناحية المنظور الأوسع فلم أكن أتخيل منظر مشاهدتي للجنود وسيارات "الهمر" الأميركية تتجول في شوارع بغداد، وهذا الشد النفسي جعل شرارة المجموعة تنطلق من خلال استحضار الوطن بكل ما في روحي من حنين، فهي مجموعة حنين وتأملات وخيبات.

ولكنك في النهاية تنتصر لفكرة العودة، من خلال العنوان الذي يستقي ضوءه من نصيحة صاحبة الحانة سيدوري في ملحمة جلجامش التي وجهتها له؟

– نعم، فعندما عاد جلجامش خائبا نصحته سيدوري بالعودة من حيث أتى، وقالت له:
"أما أنتَ يا جلجامش فليكنْ كرشك مليئاً على الدوام
وكنْ فَرِحاً مبتهجاً نهارَ مساء
وأقم الأفراحَ في كل يومٍ من أيامك
وارقصْ والعبْ مساءَ نهار
واجعلْ ثيابكَ نظيفة زاهية
واغسلْ رأسكَ واستحمْ في الماء  
 فأخذ جلجامش بنصيحتها وعاد إلى "أوروك".

لكنك لم تعد؟

"
لدي على الأقل مجموعتان شعريتان جاهزتان للطباعة، ولكنني تريثت في طباعتهما باعتبار أن الظروف الراهنة التي نعيشها تجعل القارئ يعيش خارج نطاق منطقة الشعر

– عدت العام الماضي، وحاولت كسر هذا الجدار النفسي، لكن محاولاتي ذهبت أدراج الرياح، وكانت عودة زيارة لتقليب أوراق الماضي، وخرجت منه بكتابي "14 ساعة في مطار بغداد"، وبه شرحت كل التفاصيل.

وهنا تحضرني سطور رسالة وصلتني من الشاعر نضال العياش، يقول بها "مدونتك تقودني لجملة قالتها فلسطينية طعنتها خيبة العودة إلى القدس بعد تشرد: اكتشفت أن الوطن لا يشبه تلك الخارطة التي تزين رقاب النساء في المنافي"، فوضعتها في مقدمة كتابي إلى جانب مقطع من أغنية لعفيفة إسكندر يقول "هزني الحنين ليلي/ والشوق بي عاد/ هيا بنا يا ربع /نمشي درب بغداد".

كان درب بغداد مقفرا من الذكريات، فالأصدقاء منهم من قضى نحبه ومنهم من تفرق، والأماكن شاخت، فشعرت بالغربة التي كنت أخشاها وعدت من حيث أتيت لأراقب المشهد عن بعد، تمثلا بمقولة ديغول "إذا أردت أن تعرف ما يحدث في بلدك فارحل بعيدا عنه".

وهل أنت بالفعل بعيد عن العراق؟

– إذا كان بالمعنى الجغرافي والمادي فنعم، أما الروحي فأنا هناك، في اليوم الذي يتلكأ بريد الأهل والأصدقاء الذين خلفتهم هناك أشعر بالجفاف والتصحر وأمضي يومي مكتئبا ومنفعلا، إن الفكاك من أسر الأوطان أكذوبة وادعاء فارغ.

المصدر : الجزيرة

المزيد من شخصيات
الأكثر قراءة