كارل ساندبورغ.. شاعر الشعب

الشاعر الأميركي كارل ساندبورغ

أنطوان جوكي-باريس

بين والت ويتمان وشعراء جيل "بيت" في أميركا ثمة حلقة وصل يجهلها الكثيرون وتتمثّل بالشاعر كارل ساندبورغ (١٨٧٨-١٩٦٧) الذي ينتمي إلى العصر الذهبي للشعر الأميركي، ولتبديد بعض من هذا الجهل أقدم المترجم الفرنسي تييري غيليبوف إلى نقل أهم ديوان له "قصائد شيكاغو" إلى الفرنسية.

وصدرت هذه الترجمة حديثاً، مرفقة بالنص الأصلي، لدى دار "زمن الكرز" الباريسية، وهي مناسبة نستغلها للتعريف بهذا الشاعر الفريد الذي يُعتبر بدون مبالغة  أوّل شاعر أميركي احتضن مشاكل الفقراء والمضطهدين وكرّس شعره ونثره للمدافعة عن قضاياهم.

وينتمي ساندبورغ إلى العصر الذهبي للشعر الأميركي الذي منحنا وجوهاً بحجم باوند وإيليوت وإدوارد كامينكس وويليام كارلوس ويليام وماريان مور ووالاس ستيفنس.

غلاف ديوان قصائد شيكاغو (الجزيرة نت)
الشعر الحر
لكن بخلاف هؤلاء الذين احتلوا المواقع الأمامية في ساحة عصرهم الشعرية وانشغلوا في مسألة التحديث وفي اكتشافاتهم الشكلية، اختار ساندبورغ لنفسه موقعاً آخر سمح له بالبقاء على أقرب مسافة ممكنة من عامة الناس، شاغله الأول، بدون أن يمنعه ذلك من كتابة قصائد حديثة وجدّ فعّالة، تنتمي على المستوى الشكلي إلى "الشعر الحر".

نشأ الشاعر داخل عائلة فقيرة جداً واختبر مرارة الحياة منذ أن فتح عينيه فتلقّن بسرعة من والديه السويديين واجب العمل بدون تذمّر وتحصيل العلم واحترام الحلم الأميركي.

في كلية لومبارد في غايلسبورغ التي بقي فيها حتى عام ١٩٠٢ بدأ ساندبورغ بقراءة الشعر وكتابته، بتشجيع من أحد أساتذته، الشاعر فيليب غرين رايت الذي طبع ونشر له أربعة كتب صغيرة تتألف من نصوص حرة وحِكَم وقصائد مكتوبة بأسلوبٍ مستوحى من كتّاب ساندبورغ المفضلين آنذاك، أي ويتمان وإيميرسون وكيبلينغ وبروانينغ.

لكن شهرة ساندبورغ لم تنطلق إلا عام ١٩١٤، حين قبلت هارييت مونرو بنشر ست قصائد له في مجلتها الجديدة "شعر" فراسله باوند مرات عديدة لنصحه وتشجيعه، ودفعه تيودور درايسر وإدغار لي ماستر إلى جمع قصائده داخل كتابٍ واحد صدر عام ١٩١٦ لدى دار نشر "هنري هولت" تحت عنوان "قصائد شيكاغو".

وقد مكّن ذلك ساندبورغ من الظهور كشاعر الشعب بامتياز والمدافع عن قضاياه بنفَس يقارع نفَس ويتمان، والمحتفِل بروحه ولغته المحكيّة والمتبنّي غضبه وحماسه. أما فرادة هذا الديوان فتكمن في أنسنة ساندبورغ مدينة شيكاغو فيه وتشبيهها بالعمال الذين يقطنوها، من منطلق طابعها الخشن والنبيل معاً.

ينتمي ساندبورغ إلى العصر الذهبي للشعر الأميركي  مع وجوه بحجم باوند وإيليوت وإدوارد كامينكس وويليام كارلوس ويليام وماريان مور ووالاس ستيفنس
مواضيع محظورة
كما تكمن في استحضاره، بدون مواربة وبأسلوب خطابي مشيّ ومقطَّع بطريقة شعرية مواضيع محظورة، كالحياة المدينية والدعارة والجرائم والبؤس، على خلفية تأمّلات حديثة لحقبته حول صراع الطبقات والأعراق، وبالتالي في طاقته الكبيرة على زعزعة الحدود التي تفصل الشعر عن السياسة والواقع الاجتماعي والاقتصادي.

كثيرٌ من النقاد يعتبرون أن ما كتبه ساندبورغ بعد هذا الديوان هو "تكرارٌ داخل الحركة" ولا عجب في ذلك فالشاعر لم يحاول على مدى أربعين عاماً تطوير أفكاره وأشكال وتقنيات كتابته، بل حافظ على الطريقة نفسها في استخدام الكلمات والصور وعلى المشاغل نفسها.

ويعتقد البعض أن الورع الكبير الذي وظّفه في ديوانه الأول والملاحظات والبراهين الغزيرة التي جمعها داخله، وحجم النقمة التي خلّفها ذلك فيه، جميع هذه الأمور أسرته بطريقة لم يعد فيها قادراً على الكذب أو على إزاحة عينيه عما شاهده، فرضخ لها وتركها تُملي عليه شروطها الخاصة.

ويتوجّب من هذا المنطلق قراءة ديوانه الثاني "مقشِّر الذرى" (١٩١٨) الذي تغذّى من تجربته كمراسل أجنبي خلال الحرب العالمية الأولى وحصد ساندبورغ عليه جائزة "بوليتزر"، وديوان "دخان وفولاذ" (١٩٢٠) الذي اقترح فيه نسخة أميركية للواقعية الاجتماعية ومدح المزارعين وعمّال المصانع، ودواوينه اللاحقة مثل "الشعب، نعم" (١٩٣٦) وهو كناية عن قصيدةً ملحمية حول أزمة ١٩٢٩ الاقتصادية، أعلن فيها سلطة "الإنسان الصانع ومستخدم الأدوات/ ابن الأبحاث الحارقة".

وبدون أن ننسى طبعاً تحقيقاته الصحفية اللامعة حول العنصرية والحقوق المدنية للسود والفقراء وبنات الهوى، أو حول السياسة الأميركية وارتباطها بالجريمة المنظمة والصفقات غير المشروعة، والتي كانت نتيجتها إدراج اسمه، منذ عام ١٩١٨، على لائحة الأشخاص المشبوهين لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي).

المصدر : الجزيرة