عـاجـل: السلطة المحلية في حضرموت: مقتل خمسة جنود سعوديين بينهم قائد قوات التحالف بالوادي في هجومين متزامنين

انطباعية أبي ريشة وتأويلات كيتس

جانب من محاضرة "بين أبي ريشة العربي وجون جيتس الإنجليزي" في أبو ظبي (الجزيرة نت)

شرين يونس-أبو ظبي

استضافت أبو ظبي بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين لرحيل الشاعر السوري عمر أبي ريشة (1910 - 1990)، محاضرة نقدية لاستقراء إحدى قصائده، ومقارنتها بقصيدة للشاعر الإنجليزي جون كيتس (1795 - 1821)، باعتبارهما تجليات لشاعرين كبيرين في الفن.

وتحدث في المحاضرة -التي نظمها المركز الثقافي للشيخ سلطان بن زايد آل نهيان- صلاح الدين أحمد يونس، عضو اتحاد الكتاب العرب و جمعية النقد، تحت عنوان "بين عمر أبي ريشة العربي وجون كيتس الإنجليزي".

وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن ما دفعه لدراسة القصيدتين هو ثقته بأن الشعراء -وخاصة أصحاب الرؤى منهم- أقدر على تثبيت النقاط المضيئة في التاريخ، من النحاتين والمؤرخين والسياسيين، معتبرا أن أبي ريشة من هؤلاء الشعراء.

وشبه يونس الشاعر السوري -الذي اعتبره نقاد من كبار شعراء العصر الحديث- بالشاعر العباسي بشار بن برد، فيراه آخر الكلاسيكيين وأول الرومانسيين، وهو ليس بكلاسيكي ولا برومانسي.

 صلاح الدين يونس: الفروق بين الأمم كبيرة، وهي أوضح ما تكون عند الشعراء الإشكاليين (الجزيرة نت)
قصيدتان ورؤيتان
أما عن القصيدتين فهما قصيدة "كاجوراء" لأبي ريشة، و"فاز" أو أيقونة يونانية، للشاعر الإنجليزي جون كيتس. فالشاعر العربي الذي دفعه فضوله ليتعرف على معبد هندوسي (كاجوراء) وهو يعمل سفيراً لوطنه في الهند، وقف مراراً أمام هذا المعبد، نافرا بداية منه، نظرا للصور الجنسية والإباحية المصورة على جدرانه، لكنه ما لبث أن أعجب بها فنيا، فنظم فيها قصيدة قرأها قراءة شاعر عربي لا قراءة شاعر إنجليزي رغم ما حمله من علم تجريبي في المملكة المتحدة.

ويري يونس أنه الشاعر العربي نقل المشاهد من المعابد إلى القصيدة (صور الأنوثة – صور الذكورة – تصور المدينة – الترف المعيشي – التقدم الغريزي)، نتيجة لإعجابه كشاعر بالمستوى الجمالي للأعمال، دون أن يبرئ قصيدته من ذاكرته الشرقية والعربية الإسلامية، الرافضة لما رآه.

وبحسب الناقد السوري، فإن قصيدة الشاعر العربي جاءت جميلة على المستوى "اللغوي"، ولكنها ليست نظيراً أدبياً مكافئاً لجماليات اللوحات الرخامية على المعبد، فكانت قصيدة غنائية على طريقة الشعر العربي المعاصر في طور الإحياء.

رسالة جمالية
ولم يقدم الشاعر فكرته كرسالة، فأديم القصيدة يفصح عن غياب الشاعر عن العلم بالعالم الوثني القائم على الوعي الأسطوري ولا سيّما عند الهندوس، فخلت أو تكاد تخلو من الرسالة الجمالية أو التاريخية، ولا تحمل فلسفة خاصة بالشاعر عن الفن، بحسب ما قال المحاضر الأكاديمي.

وذكر يونس أن مما أشار إليه أبو ريشة في قصيدته، وتحديدا في مقطعها الأول المكون من أربعة عشر بيتاً، "مشكلة الخلود"، خلود المعبد على مرّ الزمان، لكنه لم يغادر فكرة الخلود، من خلود الحجر إلى خلود الفكر.

وبرر يونس ذلك بوقوع الشاعر تحت تأثيرين: تأثر الموروث العربي، وتأثير المكتسب العلمي من العلوم التجريبية في الغرب، فنقل إلى القارئ العربي هذه الإباحية في المعبد كما رآها فعلاً، إنما نقلها انطباعاً خجولاً بلغةٍ شعرية عالية.

جانب من حضور المحاضرة التى ألقيت بالمركز الثقافي للشيخ سلطان بن زايد
(الجزيرة نت)
حنين أسطوري
أمّا قصيدة جون كيتس الشاعر الإنجليزي، التي تحمل عنوان "فاز" أو أيقونة يونانية فجاءت محملة بالعديد من التأويلات، بحسب وصف الأكاديمي السوري، حيث أن الفن لم يبعد الشاعر الإنجليزي عن التحليل العقلي، لأنه سليل الذهنية الغربية التي ترى نفسها امتداداً للطور اليوناني التأسيسي وللطور الروماني اللاحق.

فقد رأى كيتس في الأيقونة "تاريخ مؤرخ"، فهي تحكي حكاية رعوية، لكن التاريخ الذي ترويه تاريخ التقدم البشري الذي يتجاوز المرحلة الرعوية، وأن الانتقالة الدقيقة حدثت ليس في الرواية إنما في لغة الشعر عند كيتس.

واعتبر يونس أن قصيدة كيتس حدٌّ جامع بين الأسطورة والملحمة، فهي محاولةٌ لتفسير الظاهرة الطبيعية بكلمات دينية، وبنظام جملة شعريةٍ مبنيّةٍ على نظام الشعرية الأسطورية، وهي "ذات حدث ميتافيزيقي"، ليس المقصود به الأيقونة وما نُقش عليها أو حفر، وإنما هي عملية القراءة الشعرية.

وفى نهاية القراءة النقدية للقصيدتين أكد الأكاديمي السوري أن الفروق بين الأمم كبيرة ومتواصلة، وهي أوضح ما تكون عند الشعراء الإشكاليين.

المصدر : الجزيرة