رسومات تقتفي أثر نهر الأردن

أمين وزارة الثقافة جريس سماوي (وسط) مع الفنان العامري خلال الافتتاح (الجزيرة نت)

توفيق عابد-عمان
 
"ما زلت أقطف من خزان الطفولة والطين.. لم تعطني المدينة شيئا، ولم أستطع أن أقيم معها علاقة تصالحية بل ظلت مناكفة وليس انسجاما، في حين كنت في القرية ألتقط الأشياء الفطرية التي تتمتع بإحساس عفوي غير مصطنع".

بهذه العبارة بدأ الشاعر والتشكيلي محمد العامري الحديث عن معرضه "النهر وجواره" المقام حاليا في غاليري "الأورفلي" بعمان، والذي افتتحه الأمين العام لوزارة الثقافة الأردنية الشاعر جريس سماوي، وضم 35 لوحة اقتصرت على استدراج أيام الطفولة "المكان الغائب" بإيماءات تذهب لتثوير دلالة العناصر.

وقال العامري إنه استخدم ثلاث مفردات: الأرض والماء وانعكاساتها على البيوت الطينية القديمة والشجرة، وأوضح للجزيرة نت أن اللوحة تقترب من الواقع وأماكن اللعب وذكريات الطقس الزراعي والواقعية "التي كنا نتلقاها من القرية بكل طقوسها، فالأعمال ترتكز على المشهد الطبيعي بصياغتي التي تجمع بين التعبيرية والتجريبية".

ولفت إلى أنه رصد حالاته من الفصول الأربعة، وقال "منذ بداية عمري ارتبطت بالماء أكثر من الأرض، ففي الخريف أراقب غياب الشمس والطيور وتشكلات الغيوم في السماء التي تشبه إنسانا أو طائرا أو حيوانات كانت تثيرني كثيرا". واعترف العامري بتأثره بالفنان الإسباني سلفادور دالي الذي اعتمد على تحقيق تشكيلات السماء في مجمل أعماله.

من لوحات معرض "النهر وجواره" (الجزيرة نت)
حلم يومي

وعلى صعيد التقنية، ابتعد العامري عن استخدام الألوان الثقيلة، واستخدم الوسيط المائي حتى يكون له رشاقة الطبيعة والقرية لتتناسب ومشروع التفرغ الإبداعي الذي فاز به من وزارة الثقافة الأردنية مؤخرا.
 
وقال العامري "أحلم يوميا، فالحلم هو الحيوات التي تساعدني على اقتراف الحياة، وباعتقادي أن الإنسان بلا حلم آلة صماء جامدة تتحرك ضمن برمجية، وأنا أحب المنطق الرعوي في الأشياء وعدم الانتظام التي تشبه وعورة الطبيعة وسهولها.. أحاول إتقان الحلم فجفاف الحلم انتحار".

وتعكس رسومات العامري فلسفته الشخصية في أن الطبيعة الأم أغنى من الإنسان ذاته وأرحب، حيث إن للطبيعة "عبقرية في التعامل مع الأشياء، فنجد النبتة الرقيقة تعيش قرب نبتة شوكية بانسجام لأن الطبيعة تتقن التجاور، لكن الإنسان يتقن الإقصاء".

وفي "النهر وجواره" لا يحضر الجمال وحده فقط، بل هناك رؤية فكرية تشكل واحدة من حوافر العامري في التقاط الريشة والتعبير، فهو يرى أن نهر الأردن بضفتيه الأردنية والفلسطينية "نهر من ماء وليس من نار، فالماء في الدلالة عنوان السلام والهدوء والوصل والتقارب والجمال والطهارة، وليس هناك أدران بيننا وبين فلسطين، بل طهارة عالية يحملها لنا النهر يوميا".

ويضيف أن النهر حمل بدو الأردن باتجاه القدس، و"قد اختلط دم النهر بدم الشهداء، ولم نسبق المسيح في المغطس، فقد سبقنا للنهر ليعلمنا طهارة الأشياء".
 
القاصة انتصار عباس (الجزيرة نت)
حكايات النهر
وأشاد نقاد ورواد برسومات المعرض، فرأت التشكيلية اللبنانية بادرة البابا أنها لمست من خلال استعراضها لمجمل اللوحات ما أسمته "كرنفال منتصف الليل"، فالعامري يتابع "إثبات قناعاته ورغبته في إعادة حقائق قد تكون اختفت، فالقرية واقعيا لم تعد كما هي في مخيلته، بل غزاها الإسمنت والحديد ومطاعم الوجبات السريعة".

من جانبها أشادت القاصة انتصار عباس باستخدام الفنان لتدرجات اللون الأزرق التي تعكس لون السماء والأرض وتعبر عن حيوية، مضيفة أن اللوحات جسدت حكايات النهر وناسه وما يجاوره من بيوت طينية وعشب وطيور، كما لمست معاناة إنسانية تظهر بوضوح إلى جانب الطبيعة المجمدة.
 
يذكر أن محمد العامري شاعر وتشكيلي وهو من مواليد بلدة المشارع في الأغوار الأردنية غرب البلاد عام 1959، وشارك في رئاسة رابطة الفنانين التشكيليين، وعضوية الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين.
 
وأقام العامري معارض في البلدان العربية، وله لوحات مقتناة في أميركا وأوروبا، وأصدر أبحاثا في النقد الفني، وعدة دواوين شعرية منها "معراج القلق" (1990) و"الذاكرة المسننة" (1999).
 
والعامري حاصل على جائزة عبد الرحيم عمر من رابطة الكتاب الأردنيين لأفضل ديوان شعر عربي عام 1995، كما حصل على الجائزة الثالثة في مسابقة لوركا للرسم من المركز الثقافي الإسباني بعمان.
المصدر : الجزيرة