احتفاء بسبعينية سميح القاسم

سميح القاسم - احتفالية خاصة ببلوغه السبعين

سميح القاسم طالما ألهب الجماهير بأشعاره الوطنية (الجزيرة نت)

وديع عواودة-الناصرة

في إطار احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية، احتفت مؤسسة توفيق زياد للثقافة الوطنية في الناصرة داخل أراضي 48 بالشاعر سميح القاسم بمناسبة بلوغه السبعين.

وفي الاحتفالية تحدث عدد كبير من المثقفين والسياسيين عن إنتاج سميح القاسم الذي ولد بمدينة الزرقاء الأردنية عام 1939 حيث عمل والده في فترات الانتداب، وهو يقيم اليوم في بلدة الرامة بالجليل وما زال ينشط بالحياة الثقافية، حيث هو الآن الرئيس الفخري لصحيفة "كل العرب" الصادرة في الناصرة.

واستذكر القاسم في كلمته مشاركته في ذكرى تأبين الشاعر الراحل معين بسيسو، ووجد نفسه في حالة "سريالية" حينما طلبت إليه مؤسسة توفيق زياد التحدث عن بسيسو في مركز ثقافي يحمل اسم محمود درويش وما لبث أن قدم قصيدة جديدة لم تنشر من قبل "مرثية برج الثور" ويستذكر فيها زملاءه ممن رحلوا.

وأكد رئيس بلدية الناصرة رامز جرايسي للجزيرة نت أن الشعب الفلسطيني خاصة فلسطينيي الداخل مدينون لشعرائه الوطنيين الذين وصفهم الكاتب الشهيد غسان كنفاني بـ"شعراء المقاومة"، لمساهمتهم الكبيرة في كسر جدار التغريب واختراق حالة الحصار والحواجز نحو امتدادهم الفلسطيني العربي والإسلامي.

أدب المقاومة
وأشاد جرايسي بدور القاسم في تحديث قوالب ومضامين الشعر العربي وإثراء اللغة العربية لحد الرسم بالكلمات، مشيرا إلى ترجمة إبداعاته للغات أجنبية، و"لثروته الروحية الثقافية الغنية".

ودأب سميح القاسم على نشر إنتاجه الأدبي في مطبوعات الحزب الشيوعي كصحيفة "الاتحاد" ومجلتي "الغد" و"الجديد"، ونشط في صفوفه وما زال محسوبا على الإطار السياسي الداعم له (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) التي تحرص على النضال من أجل تحقيق هدف "الدولتين".

وأسس القاسم منشورات "عربسك" في حيفا وترأس الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في إسرائيل، وهو اليوم رئيس التحرير الفخري لصحيفة "كل العرب" الصادرة في الناصرة. وحتى الآن صدر له نحو 50 كتابا في الشعر والنثر.

الجمهور تفاعل بقوة مع رائعة القاسم (الجزيرة نت)الجمهور تفاعل بقوة مع رائعة القاسم (الجزيرة نت)

حديقة الشعر
وقال الأديب حنا أبو حنا الذي قدم قبل عقود للديوان الأول لسميح القاسم "مواكب الشمس" إن الأخير نجح باحتلال مكانة جيدة جدا في الشعر العربي بفضل مثابرته واطلاعه الواسع على الثقافة.

وأوضح أبو حنا للجزيرة نت أن للقاسم لونه الخاص من ناحية الكتابة الكلاسيكية وحتى التجديد بالمضامين والصور، مؤثرا عدم المقارنة بينه وبين شعراء آخرين، مضيفا أن "الشعر حديقة فيها أزهار ولكل زهرة لونها وعطرها"، ونوه لدوره في إنتاج وحماية الثقافة في الداخل رغم الأرض المحروقة التي خلفتها النكبة.

وبرأي أبو حنا شارك سميح مع زملاء عرب كثر أمثال نازك الملائكة وبدر شاكر السياب في تحديث الشعر العربي وتوظيف الإشارات والأصداء الثقافية والأساطير في القصيدة.

واعتبر الناقد محمود غنايم أن التأريخ للشعر الفلسطيني يعني أنك تؤرخ لمسيرة سميح القاسم الأدبية والشعرية خاصة وتوقف عند مرحلة "أدب المقاومة".

إلهاب الجمهور
وأوضح أن القاسم دفع جمهور الشعر منذ البدايات إلى التفاعل معه وهو يلهب الجماهير بأشعاره التي حولت الخطابية، التي مجها النقد الحديث، إلى سمة هامة يرقص معها الجمهور المتعطش إلى الشعر الحماسي الجميل.

وإذا بحث القارئ أو الناقد عن الإيجاز فلا بد له أن يقف على إبيغرامات سميح الكثيرة التي استشفت روح العصر في مرحلة متقدمة، كما في قصيدة "سكران" "بحار كثيرة وملاّح واحد" وغيرهما الكثير.

هذا إضافة إلى سربياته الطويلة التي تعد فتحًا جديدًا في الشعر العربي الحديث، ووضعت سميح في قمة الهرم التجريبي سواء على مستوى النوع الشعري أو على مستوى اللغة، وهو هاجس بدأ يتسلل إلى إبداعه في بداية السبعينيات من خلال مجموعاته الشعرية التي يمكن أن نحس بالتناص من خلال عناوينها "قرآن الموت والياسمين"، "إلهي إلهي لماذا قتلتني"، "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" وغيرها.

وهذه هي قصيدة "مَرْثاةٌ.. مِن بُرجِ الثَّور" للشاعر سميح القاسم

لا يُثيرُ هنا دهشتي أيُّ شيءٍ سوى أنّني

لا يُثيرُ هُنا دَهشتي أيُّ شيءٍ

فما سرُّ دهشتِكُم في كواليسِ موتي العتيدْ

يا رفاقَ النشيدْ

شمسُكُم لم تزل شمسَنا. وسوى شمسِنا لا نُريدْ

إنَّما.. لا جديدْ

تحتَها، غيرَ حلمِ الحياةِ القديم-الجديدْ

يا ندامى المكاتيبِ بعدَ خواءِ البريدْ

شمسُكم لم تزل شمسَنا

إنَّما

غدُكُم لم يصِرْ أمسَنا

لا جديدْ

بعدَ غيبتِكُم

غيرَ شوقي إليكُم. وحُزني الشديدْ

لبقائي على كومةٍ من ركامِ البقاءِ، وحيداً.. وحيدْ

خَذلتْني الرّهاناتُ. ضلَّ الطريقَ القريبُ وضلَّ البعيدْ

وأنا يا رفاقي كما تعرفون

وكما تعهدون

برجيَ الثورُ يا أصدقائي. وبُرجي عنيدٌ عنيدْ

وكما تعلمون

مستقيمٌ صراطي. وعن غايةِ النارِ في نورها لا أحيدْ

وعلى رايتي. لم تزل رغم ليل الطريقِ العسيرِ المديدْ

لم تزلْ قبضةٌ من حديدْ..

وأبوحُ لكم. تحت حدِّ السكاكين. يا إخوتي.

باعترافِ الوريدْ

غيبةُ النار في الزَّمن الزّمهريرْ

وانحسارُ المدى،

ورحيلُ الينابيعِ عن قطرةٍ في غديرْ

تلكَ قصَّتُكُم

تلكَ غُصَّتُنا

يا أشقّاءَ حُزني الكبيرْ

نحنُ قُلنا كثيراً. وفاجأَني صمتُكم

عن كلامٍ كثيرْ

فاسمحوا لي إذاً

مُرهَقاً. دَخِناً. قلِقاً تَرِباً

واسمحوا لي إذاً

لائذاً

بهزيعي الأخيرْ

واعذروا صُدفتي في الزمانِ،

اعذروا لي اعتذاري لأنّي

بقيتُ على قَيْدِ شِعري. وقيدِ الحياةِ،

بحُكم العليّ القديرْ

واعذروا لي ازدرائي حسابَ الحياةِ،

بتقويمِ رُزنامةٍ

خَطَأٌ. خَطَأٌ. ليسَ هذا حسابَ المصيرْ

كلُّ عُمرٍ يطولُ بما فيهِ من ثَمَرٍ،

وبلا ثَمَرٍ.. كلُّ عُمرٍ قصيرْ!

فاشهدوا عيدَ أشجاركم

وارصُدوا عُرسَ أثماركم

أملاً وارِفاً دونَ حَدّ

ولأعماركم

خِصْبُ ماويّةٍ زيَّنتها زهورُ الأبَدْ

لأناشيدكم وتراتيلكم

وبآياتكم وأناجيلكم

لا أحَدْ

يَدَّعي موتَكم..لا أحدْ

غيرَ مَن يدَّعي موتَكُم

وَهْوَ في نعشِ أحلامِهِ، من زمانٍ رَقَدْ

إخوتي.. أيُّها الحالمون

حضرةُ الرّوحِ والحُلم لا تنتهي بغيابِ الجَسَدْ

إخوتي. أيّها المؤمنون بما تؤمنون

لا أراكُم. ولا تُبصرون

إنَّما… يا "مُعين"

أيّها الشاعر الثائر الفوضويُّ الجميلُ اللَّعين

يا مُعين

لا تَقُلْ لي رحلْتَ بلا رجعَةٍ،

لُعبةٌ تلكَ تلعبُها من سنين

يا صديقي أراكَ اختبأتْ

في ظلامِ العيون

مِن جنونِ الجنون

يا مُعين

لا تقلْ لي انطفأتْ

أثقلتْكَ الحياةُ بأرجاسِها فالتجأتْ

مِن غموضِ الكلامْ

لوضوحِ الكلامْ

حيثُ أنتَ ابتدأتْ

تحتَ رايتنا القِرمزيَّه

يا عليكَ السلامْ

يا أخي في دمِ الأبجديَّه

*

أينَ "فدوى"؟.. احذروا

لا تقولوا انتهتْ شبحاً في ضبابِ الغيوبْ

لم تزل نسغَ داليةٍ

لم تزل روحَ زيتونةٍ

لم تزلْ بيننا

ملءَ رائحةِ الفُلِّ والبُنِّ في بيتنا

لم تزلْ ههُنا

في القلوب

في جميعِ القلوب

شمعةً تحضُنُ النارَ.. لكنَّها

رفضتْ أنْ تذوبْ!

*

احذروا ما تقولُ الجرائدْ

واسألوني أنا.. أينَ "راشِدْ"؟

إنَّهُ ههُنا

بيننا

في اجتماعاتِ حاراتِنا

في مسيراتِنا

إنَّه في صفوفِ المدارسْ

في دروسِ أخينا الوفيِّ الجميلِ "شكيب"

هو ذا. مُفعماً بالندى. ألِقاً. في المجالسْ

هو ذا حاضرٌ للصراعِ على زهرةٍ

طَلَعتْ مِن ثرى "مُصْمُصٍ"

وادَّعَتْ عطرَها "تل أبيبْ"

واسألوا أينَ راشدْ

لتردَّ القصائدْ

ألقميصُ اهترأ

وصدى الروحِ خالدْ

إنَّه خَبَرُ المبتدأ

و"مع الفجر".. عائدْ

لا تقولوا إذاً.. ماتَ راشدْ!

*

حاضرَهْ

أبداً حاضِرَهْ

شَمسُ عينيكِ.. يا ناصِرَهْ

وعلى نبعِ "توفيقِنا" يتمرأى القَصَبْ

وترفُّ الفراشاتُ مسحورةً

ببريقِ شرايينِهِ الثائرَهْ

ولتوفيقنا وردةٌ مِن لَهَبْ

نارُها نورُنا.. والطغاةُ الحطبْ

ولتوفيقنا بَوْحُهُ

قمحَ سُنبلةٍ مِن حقولِ الغضبْ

ولنا جُرحُهُ

ولتوفيقِنا ما وَهَبْ

هو ذا ماثلٌ بيننا

ساكنٌ قلبَنا

ماليءٌ عينَنَا

إنَّهُ بيننا

صوتُهُ ههُنا

وهنا فَمُهُ.. والنشيدُ الذهَبْ

لا تقولوا.. ذَهَبْ!

*

قيلَ ما قيلَ. في ما تقولُ اللغاتْ

قيلَ.. ماتْ

قُلتُ لا. تلكَ سَرْنَمَةٌ تنتهي

بانتهاءِ السُّباتْ

عودةً مِن شَتاتْ

ليسَ للموتِ "محمودُنا"..

إنَّهُ للحياةْ

للزهورِ. لعيدِ البساتينِ. للدَّمعِ والأغنياتْ

للقوافي التي قهرَتْ نثرَ سجَّانها

وهُراءَ البُغاةِ الجُناةْ

للحروفِ التي نشرتْ عطرَ أحزانِها

في جهاتِ الجهاتْ

ليسَ للموت محمودُنا.. إنّه للحياةْ

وَهْوَ مِن نكبتي

وَهْوَ مِن ثورتي

وَهْوَ مِن أُسرتي

كلَّ يومٍ تمرُّ ببروتِهِ حسرتي

وعلى جذعِ خرّوبةٍ.. ترتمي دمعتي

طفلةً قتلتْ أبويها جيوشُ الغزاةْ

وسبى أختَها

صَلَفُ الفاتحين الطغاةْ

ويقولونَ.. ماتْ

وأخي ليسَ للموتِ.. محمودُنا.. للحياةْ..

والحياةُ مُعينٌ.. وفدوى الحياةْ

والحياةُ لراشدْ

لأخينا العزيز شكيبْ

لعصامِ المناخِ العصيبْ

والحياةُ لراشدْ

ولقمحِ الأماني على بيدرٍ من منايا.. وملحِ القصائدْ

ولتوفيقنا ما يشاءُ الحياةْ

وترانيمُ أحبابنا لا تُطيقُ السكون

إنّهم ههُنا ينشدون

والقوافي حياةْ

ولدى ربِّهم يُرزقون

والأغاني صلاةُ الصلاةْ

لا تقولوا قَضَوْا ومَضَوْا

إنّهم بيننا. معنا. ولنا. ههُنا

في تضاريسنا وقواميسنا خالدون

ولدى ربِّهم يُرزَقون

ولدى شعبهم يُرزَقون

إنَّهم.. خالدون

خالدون

خالدون..

سميح القاسم

المصدر : الجزيرة