مدينة أثرية ليبية تعكس تقلبات الأوضاع منذ القدم

السلالة الملكية التي حكمت قورينا كانت من دماء أغريقية ليبية (الجزيرة نت).

قيمة المدينة أنها قدمت نماذج رائدة في مجالات العلم والمعرفة والفنون (الجزيرة نت)
 

خالد المهير-ليبيا
 
الزائر لمدينة شحات الواقعة على بعد حوالي 250 كلم شرقي مدينة بنغازي سوف يركن إلى ذاكرة أساطير هذه البلدة التي حين وصلتها طلائع الإغريق قال ليبي لإغريقي "بهذا المكان ثقب في السماء"، في إشارة إلى غزارة الأمطار ووفرة المياه حيث وصل المستوطنون الأوائل.
 
كما تشير المراجع إلى رسو سفينتين من ذوات الخمسين مجدافا بجزيرة بلاتيا عند خليج البمبة غربي مدينة درنه، ثم انتقلتا رفقة الليبيين إلى موقع نبع (قورينا) -الاسم الشهير لشحات- حيث شرعوا بتأسيس المدينة عام 631 قبل الميلاد.
 
وعرف عن المدينة جمال النساء حتى إن أفلاطون ذكرهن في أحد فصول مسرحياته باسم "أفروديت" وربما يرجع ذلك إلى معرفته بهن وتقديره لهن حين أقام بها تلميذا لفلاسفتها، حسب مصادر الأثار الليبية.
 
الدور الليبي
وعلى الرغم من الصبغة الإغريقية للمعالم الحضارية التي عرفتها المدينة تقدم المصادر التاريخية حقائق تؤكد الدور الليبي حيث ظلت كلمة ليبيا حاضرة في النصوص والنقوش.
 
فمن المؤكد -بحسب الباحث في الآثار الحبيب الأمين- أن ملك قورينا باتوس الأول اعتبر أن أصل كلمة ليبيا مرادفة لصفة الملك وأن رجال الحملة الأولى التي قادها باتوس من جزيرة ثيرا (سانتورين الآن) وصلت قورينا دون نساء، وعقب وصولهم تزوجوا بليبيات، وبالتالي فإن السلالة الملكية ذاتها التي حكمت قورينا كانت من دماء إغريقية ليبية وقدمت ثمانية ملوك على التوالي حملوا أسماء باتوس وأركسلاوس.
 
undefined

وتحدث الأمين عن قيمة المدينة في تقديمها نماذج رائدة في مجالات العلم والمعرفة والفنون للعالم، متسائلا "من لا يعرف الفيلسوف القوريني أرستيبوس مؤسس الفلسفة القورينائية أو فلسفة اللذة التي من رموزها الكبار الفيلسوف كرينادس الذي يعتبر من كبار الفلاسفة أصحاب الدعوة إلى الحرية الإنسانية، والعالم والفيلسوف والفلكي إيراثوستينيس الذي كان تلميذا لكاليماخوس، واستلم منه إدارة مكتبة الإسكندرية والذي ينسب إليه أنه أول من قاس محيط الأرض وكان يسمى بالخماسي كونه كان ضليعا في خمسة علوم".

 
الفساد السياسي
ورجح الأمين أن قورينا قد عانت من حالة احتقان سياسي وصراع داخلي نشب بين الأرستقراطية السياسية الحاكمة باسم الملكية الشاملة وبين عامة الشعب ونخبته التي عبرت عن رفضها للفساد السياسي والأوضاع الاقتصادية السيئة وتمادي الملك وأعوانه في احتكار السلطات والثروات.
 
ومع احتدام الخلاف، اضطر الملك باتوس الثالث الملقب بالأعرج -الذي اعتلى العرش عقب اغتيال أبيه الملك أركسلاوس الثاني الملقب بالقاسي- للاعتراف بالأزمة وتعهد بالقيام بإصلاحات جديدة، وعلى إثر ذلك استعان القورينيون بعراف أشار عليهم بضرورة وضع دستور ينظم العلاقات والسلطات بين الملك والرعية والحاشية ونصحهم بالاستعانة بالخبير الدستوري ديموناكس من سكان مانتينيا.
ونجح هذا الخبير في صياغة دستور قورينا الأول لتنجح المدينة في استعادة سلمها الاجتماعي بعد موافقة الملك على القبول بالإجراءات الإصلاحية.
 
وبعد فترة من الزمن عادت قورينا إلى حالة الاحتقان من جديد بعد تراجع خليفة الملك باتوس المسمى أركسلاوس الثالث أفضى إلى شبه انقلاب وتمرد بسبب صلفه وتجبره.
 
ولكن الشاعر بنداروس تنبأ في قصيدة شهيرة بنهاية حكم الملكية وبزوغ العصر الجمهوري، مخاطبا الملك "من صغائر الأمور أن يهز رجل ضعيف مدينة بأسرها، لكن تأسيسها بعد ذلك على أساس متين يحتاج إلى كفاح، إلا إذا وجه الله يد الحاكم بعون مفاجئ".
 
وقد تحققت نبؤة الشاعر وقتل الملك على يد أهالي بنغازي بقطع رأسه ورميه في البحر وإعلان الحكم الجمهوري في قورينا عام 440 قبل الميلاد.
المصدر : الجزيرة

المزيد من عمارة
الأكثر قراءة