طريق بنتوفيل..التشرد والخيبة وقتل الأبرياء

تشكل رواية الكاتب الفلسطيني سمير اليوسف الأخيرة "طريق بنتوفيل" التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر  نسيجا غريبا تتضافر فيه أجواء وعناصر شعرية وقصصية لينتج عن ذلك عمل يمتد بين عالمين عالم الواقع وعالم النفس الذي يغور فيه الواقع ليطل بوجوه متعددة.
 
تدور أحداث الرواية حول نزل في لندن تقيم فيه مجموعة من الناس من مناطق مختلفة من العالم وبريطانيا مما يشكل عالما بذاته فالنزلاء أو المستأجرون فيه هم من الخائبين والساقطين، منهم بائع المخدرات الصغير والمدمن عليها والفتاة الفقيرة أو الهاربة مما تعتبره برودة مشاعر أهلها، والمسن الذي لم يعد له أحد وجلهم يعيش على معونة اجتماعية من الدولة أو البلدية.
 
لكن هذا العالم الصغير لا يقتصر على كونه عالما للخائبين ومطموسي الأحلام بل نجده أحيانا مسرحا يتحرك فيه حالمون ما زالوا يهتمون بالقضايا الكبيرة وقد أصبح بعضهم مأخوذا بها إلى درجة لم يعد يدرك آلام الأفراد المحيطين به لكنها أحلام لا تثمر دائما. إنه عالم تنشغل فيه فتاة يهودية بالاحتجاج على الظلم في فلسطين وفي العراق وينسحب فيه شاب فلسطيني إلى عالم اللامبالاة بسبب آلامه الساحقة.
 
ونجد تصويرا لما يبدو دورانا في المكان وعدم قدرة على تحديد المشاعر وايرادا لحقائق مكررة تعبيرا عن حالات نفسية وفكرية معينة، ففي رسم للخيبة والإحباط والدوران داخل الذات يصف البطل كاثي الفتاة البريطانية اليهودية التي تنشط في الدفاع عن الفلسطينيين وعن العراق قائلا "تتراءى لي كاثي محبطة بعد مشاركتها في تنظيم العديد من المظاهرات المضادة للحرب، محبطة بعد ذهابها إلى غزة مرات عديدة محبطة ومنكفئة على نفسها وصامتة أبدا لا تتدخل في شؤون أحد وحتما لا تشاء أن يتدخل أحد في شؤونها".
 
ولعل هذه الشخصية اليهودية التي ترفض قتل الأبرياء فلسطينيين وعراقيين هي الصورة الأخرى للفلسطيني راشد اللاجئ إلى لندن الذي رفض قتل ثلاثة جنود إسرائيليين حين بدوا له أبرياء إذ صوره لنا الكاتب في حالة طغت عليها أجواء الأحلام ليعود ويقتلهم بسبب براءتهم.
 
وقد انتهى في حالة جنون قبل أن يقتله البطل وشخص آخر في ما بدا عملا رمزيا أكثر منه فعلا حقيقيا. أما كاثي فتتحول كما تحول راشد إلى عالم مغلق في سعيها إلى الدفاع عن الأبرياء وقد يكون ما أراد اليوسف أن يصوره لنا هو هرب العربي من قضاياه المفجعة إلى الملل من كل شيء بينما يهرب الغربي من ملله إلى تبني قضايا إنسانية كبيرة لكنه سيصاب بصدمات أيضا.
المصدر : رويترز