نهب جامعات العراق.. لصوص مثقفون أم ثأر للسبي البابلي؟



سيدي محمد*

يقول مدرس عراقي كان يقف خارج الهيكل المتفحم للمكتبة الوطنية ببغداد والدموع تنهمر من عينيه "لقد فقدنا تراثنا القومي"، كما يشاهد عميد جامعة البصرة بعجز تام عمليات النهب التي تتعرض لها الجامعة ويتساءل وقد استبد به الغضب "أجيبوني, هل الأمر هو تحرير العراق أم تحرير اللصوص؟".

في الوقت نفسه يستغيث عدد من أساتذة ومثقفي جامعة الموصل بالجزيرة لإيصال صوتهم إلى العالم من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المدينة التاريخية التي طالتها أيدي النهب والفوضى.

هذه صور إنسانية للوضع الذي عاشته أعرق الجامعات العربية بل أعرق جامعات الشرق الأوسط التي كانت قبل أيام من دخول القوات المحتلة للعراق تقف صرحا شامخا يعتز به كل عراقي بل كل عربي.

ففي الأيام الأولى لسقوط الحكومة العراقية خرج اللصوص من جامعة البصرة بعربات محملة بأجهزة كمبيوتر ومكيفات هواء وتجهيزات مختلفة، فيما قام آخرون بإشعال النار في أماكن متعددة داخل الحرم الجامعي، كما شملت أعمال التخريب كل أقسام الجامعة تقريبا, حيث نزعت مقاعد قاعة المطالعة التي كانت تتسع لنحو 200 طالب، وألقيت أشرطة الأفلام التعليمية على الأرض التي غطاها الزجاج المحطم.

وتزيد الحسرة إذا علمنا أن هذه الجامعة تضم مكتبة أنشئت عام 1964 كانت تضم ثلاثة آلاف كتاب ثم تطورت إلى أن أصبحت تضم نصف مليون من الودائع الثقافية التي تتوزع بين الكتب والمجلات الثقافية والدوريات والنشرات والصحف والمخطوطات والنوادر, وتتألف من عدد من الوحدات منها وحدة الإعارة التي يصل عدد كتبها المستعارة أسبوعيا إلى 80 ألف كتاب.

وعندما نعرج على بغداد نجد أن المكتبة الوطنية بدورها أصبحت كومة رماد لماض تليد بعد أن كانت أرشيفا علميا يضم نسخا من كافة الكتب التي نشرت في العراق، بما في ذلك نسخ من كافة أطروحات الدكتوراه, بالإضافة إلى الاحتفاظ بكتب قديمة نادرة عن بغداد والمنطقة، وكتب هامة من ناحية تاريخية تعالج قواعد الصرف والنحو في اللغة العربية، ومخطوطات قديمة باللغة العربية كان العمل جاريا على طباعتها تدريجيا.

ونهب اللصوص مكتبة الأوقاف -وهي المكتبة الإسلامية الرئيسية في بغداد القريبة من المكتبة الوطنية- وأضرمت النار فيها, وتحتوي المكتبة على نسخ من المصاحف والمخطوطات الدينية التي لا تقدر بثمن.

وتتابع عمليات النهب لثقافة ومراكز الإشعاع في شكل مواز ومسار مصاحب للقوات الغازية لتمتد السرقات العلنية إلى مدينة الموصل التاريخية بشمال العراق الجريح إذ هاجمت حشود غفيرة جامعة الموصل وقامت بنهبها أمام سكان الموصل الذين لم يتمكنوا من فعل شيء.

ولعل كل هذه الأحداث جعلت البعض يتساءل: ما خلفية هؤلاء اللصوص المثقفين؟ ومن أين قدموا؟ لماذا قام هؤلاء بهذا التخريب ما داموا قد حصلوا على بغيتهم؟ ولماذا رميت الأشرطة التعليمية على الأرض؟ وهل العراقيون هم من قام بهذا أم أن هناك أياد أخرى تثأر للسبي البابلي انطلاقا من صراع الحضارات التاريخي؟

وربما تتضح بعض هذه الأسئلة من روايات بعض الشهود إذ يقول عميد جامعة البصرة عبد الجبار الخليفة غاضبا إن "القوات البريطانية هي المسؤولة إذ تركت اللصوص يدخلون الجامعة ولم تمنعهم من القيام بأعمال السرقة"، ويضيف مشيرا بيده إلى صورة لصدام حسين ما زالت تتدلى من عمود للإضاءة داخل الحرم الجامعي "هنا ما زالت صورة صدام حسين معلقة وهناك تمثال لصدام ما زال قائما"، موضحا أن الهدف من الغزو هو النفط وأشياء أخرى لم تتضح بعد مثلها مثل الأسئلة السابقة.

ويتضح الموضوع أكثر لو عرفنا أن العراق يمثل أحد مواطن الفجيعة والحزن المأساوي لدى اليهود، فمنه انطلقت القوات التي قضت على إسرائيل في العهد القديم في عهد الملك الكلداني البابلي نبوخذ نصر وانتهت حربه بواحدة من أكثر الفواجع في التاريخ اليهودي والتي مازالوا يتذكرونها بحسرة ومرارة وندم وهي ما أطلق عليه مأساة "السبي البابلي".

كما تحفل الأدبيات اليهودية بالكثير من البكائيات والذكريات المريرة عن هذه المحنة، ولهذا يشعر الإسرائيليون أن امتلاك العراق لأي قوة فائقة يمكن أن يشكل تهديدا لأمن إسرائيل وربما يؤدي إلى تكرار محنة السبي البابلي من جديد في التاريخ الحديث.

ولعل ذلك ما يتأكد لنا عبر ما قاله مناحيم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي عام 1981 بعد الغارة على المفاعل النووي العراقي، فقد أعلن "أن المفاعل النووي العراقي لو لم يدمر لحدثت محرقة جديدة في تاريخ الشعب اليهودي.. لن تكون هناك محرقة جديدة أبدا.. أبدا".

ــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة