العراق في ذاكرة التاريخ والإنسانية

بدأت القوات الأميركية والبريطانية التي يبلغ قوامها نحو 300 ألف جندي بالهجوم على بغداد مدينة الحضارة الرابضة على ضفاف نهر دجلة مدينة الخلفاء وعاصمة العالم الإسلامي لمئات السنين التي تمتعت على مر التاريخ بنفوذ قوي لدى ملايين العرب وتاريخ عريق كحاضرة للثقافة والعلم.

فقد كانت بغداد مركزا مزدهرا للعلم والفلسفة والأدب في القرن التاسع الميلادي وتربعت على الذروة عندما كانت أوروبا تعيش في ظلمة القرون الوسطى وقبل قيام الولايات المتحدة بنحو 1000 عام.

ولا تزال بغداد تفخر بأنها قدمت بعض أفضل الشعراء والكتاب والفنانين في الشرق الأوسط. وقد وصفها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في مقابلة صحفية بأنها زهرة الحضارة العربية والإسلامية.

اضمحلت قوة بغداد ولكنها استمرت مقر الخلافة الإسلامية إلى أن دمرها هولاكو حفيد زعيم المغول جنكيز خان عام 1258 في هجوم قال الرئيس العراقي صدام حسين إن الولايات المتحدة تدبر مثله "هولاكو العصر الحديث يهاجم أمكم.. الحضارة العراقية". وأضاف أن سكان بغداد مصممون على إجبار الأميركيين على الانتحار على أسوارها.

وتبقى القليل من بقايا الماضي التليد في بغداد الحديثة التي تضم خمسة ملايين نسمة ولكن تشمخ في أفق المدينة نصب تذكارية هائلة ومساجد ضخمة وقصور رئاسية فخمة. وغادر المدينة عدد كبير من السكان في الأيام الأخيرة إلى أماكن بعيدة مثل سوريا المجاورة في حين بقي آخرون رغم أن الحرب على الأبواب.

في المقابل يمثل العراق أحد مواطن الفجيعة والحزن المأساوي لدى الإسرائيليين، فمنه انطلقت القوات التي قضت على دولة إسرائيل في العهد القديم في عهد الملك الكلداني البابلي نبوخذ نصر وانتهت حربه بواحدة من أكثر الفواجع في التاريخ اليهودي والتي مازالوا يتذكرونها بحسرة ومرارة وندم وهي ما أطلق عليه مأساة (السبي البابلي).

ففي العام 603 قبل الميلاد، تولى نبوخذ نصر العرش الكلداني البابلي في العراق، وفي عهده بلغت الدولة أوجها وحالف لبعض الوقت الملك اليهودي يواقيم، إلا أن العلاقات تدهورت بين الجانبين عندما حاول يواقيم التملص من الحلف مع جاره القوي، فجرد نبوخذ نصر حملة عسكرية حاصر فيها القدس ثم فتحها واقتاد الملك الجديد يهوياكين وحاشيته وأركان حكمه وأشراف دولته إلى بابل في العراق عام 586 قبل الميلاد.

وتشير الروايات التاريخية إلى سبي بابلي لاحق بعد محاولة صدقيا ملك يهودا التمرد على الحكم الكلداني مما أدى إلى تجريد حملة بابلية أخرى انتهت عام 586 ق.م بحرق هيكل سليمان بن داود والقضاء على الدولة العبرية وسبي حوالي 50 ألف يهودي إلى العراق هم أغلبية ما تبقى في القدس وقد ساقهم الكلدانيون مكبلين بالحديد والأصفاد إلى أراضي العراق.

وتحفل الأدبيات اليهودية بالكثير من البكائيات والذكريات المريرة عن هذه المحنة، ولهذا يشعر الإسرائيليون أن امتلاك العراق لأي قوة فائقة يمكن أن يشكل تهديدا لأمن إسرائيل وربما يؤدي إلى تكرار محنة (السبي البابلي) من جديد في التاريخ الحديث.

ولعل ذلك ما يتأكد لنا من خلال ما قاله مناحيم بيغين رئيس الوزراء الإسرائيلي عام 1981م بعد الغارة على المفاعل النووي العراقي حيث أعلن "لو أن المفاعل النووي العراقي لم يدمر لحدثت محرقة جديدة في تاريخ الشعب اليهودي.. لن تكون هناك محرقة جديدة أبدا.. أبدا".

كما أن العراق كان قوة إسناد للقوات العربية في معظم الحروب ضد إسرائيل، وشارك في حرب 1948م ولم يوقع اتفاق هدنة مع إسرائيل وظلت سياسته الرسمية ترفض الاعتراف بوجود الدولة العبرية.

المصدر : الجزيرة

المزيد من أزمات
الأكثر قراءة