"نار الحب".. وثائقي يروي قصة زوجين قتلهما هوسهما بالبراكين

"نار الحب" جاء معظمه من الأرشيف الذي تركه العالمان الراحلان والمقاطع المصورة التي لم تعرض من قبل (ناشونال جيوغرافيك)

لدى البعض شغف شديد بأشياء غير مألوفة، ويزيد تعلقهم بها لدرجة لا تصدق؛ فتصبح محور حياتهم وما يسعون للتعرف عليه طوال الوقت، وقد يجعل هذا الشغف الكبير حياة صاحبه سعيدة خلال رحلته لاكتشاف ما يحب وإشباع فضوله، ولكن هذا لا يضمن أن النهاية ستكون سعيدة أيضا؛ فقد يقتل الحب الشديد صاحبه.

وفي الوثائقي الجديد "نار الحب" (Fire of Love) الذي تعرضه شبكة "ناشونال جيوغرافيك" (National Geographic)؛ نتعرف على قصة مليئة بالحماس والخوف والسعادة والألم، عن عالمي الجيولوجيا والبراكين الفرنسيين كاتيا وموريس كرافت، اللذين التقيا عام 1966 في جامعة ستراسبورغ، وتزوجا عام 1970، واختارا أن يكرسا حياتهما لشيء غير متوقع على الإطلاق؛ وهو مطاردة البراكين النشطة في جميع أنحاء العالم، وسجلوا ما وجدا لحظة بلحظة، حتى لقيا حتفهما.

وتذاع لأول مرة اللقطات الرائعة التي جمعها الزوجان، والتي تكشف عن أسرار عالم البراكين وما به من أخطار وأهوال، ولكن ما كان لخطر الانفجارات البركانية والحمم المتدفقة ذات اللونين الأحمر والبرتقالي الزاهي أن تزيدهم إلا حبا في هذا العالم المهيب، وكلما اقتربا من الصخور المنصهرة زاد فضولهما أكثر من خوفهما.

غدا اليوم الأخير

لأن نهاية حياة كاتيا وموريس معروفة وليست سرا، بدأ الوثائقي سرد الأحداث من النهاية، وتحديدا من الثاني من يونيو/حزيران 1991، عندما كان الزوجان في جبل أونزين باليابان، ويظهران معا في مزاج جيد وأجواء حماسية، لكن سرعان ما يقطع هذه الصورة صوت راوية الفيلم ميراندا جولي بقولها "غدا سيكون يومهما الأخير"، حيث انفجر البركان في اليوم التالي، وأودى بحياة الزوجين و41 آخرين.

وعلى غير المتوقع تدور الأحداث في إطار رومانسي حول قصة الحب الثلاثية التي جمعت بين كاتيا وموريس والبراكين، وفضولهما غير العقلاني للتعرف على أحد أخطر مظاهر الطبيعة، وينقل الفيلم جزءا علميا من أبحاث الزوجين، ويستكشف التفسير النفسي للشغف الذي جمعهما ودفعهما للرقص وسط النيران، والوقوف على حافة الجبال الثائرة، حتى أذاب الدخان أحذيتهما، لاكتشاف سحر البراكين والتقاط صور ليس لها مثيل على الإطلاق.

واستوحى صناع الفيلم فكرة "مثلث الحب" من جملة في كتاب كتبه موريس قال فيها "بالنسبة لي، كاتيا والبراكين، إنها قصة حب"، وهذه نقطة تكوين الوثائقي؛ قصة حب الزوجين، والقوة الخارجية التي تجمعهما.

20 عاما من المغامرات

ويتكون "نار الحب" بالكامل تقريبا من الأرشيف الذي تركه العالمان الراحلان والمقاطع المصورة التي لم تعرض من قبل، بالإضافة إلى كتاباتهم والرسوم التوضيحية المجمعة التي رسماها لنقل مغامراتهما واكتشافاتهما العلمية وروابطهما العاطفية العميقة، وكيف كانت مواجهاتهما مع الموت جزءا أساسيا من رحلتهما، ورغم ذلك لم يتوقفا عن السعي وراء شغفهما للمعرفة عن هذا العالم.

واستخلص فريق عمل الوثائقي هذه المواد من المقاطع التي صورها الزوجان على مدار 20 عاما من الرحلات الاستكشافية إلى البراكين النشطة في جميع أنحاء العالم؛ من جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى كولومبيا والولايات المتحدة، وحفظت التسجيلات في منظمة ثقافية في فرنسا.

وأمضت المنظمة عدة أشهر في "رقمنة" الشريط السينمائي الذي لم يتم مسحه ضوئيا مسبقا، وجمع الفريق الآلاف من الصور و250 ساعة من المقاطع، بالإضافة إلى 50 ساعة إضافية من ظهورهما التلفزيوني، تم الحصول عليها من الأرشيف الوطني الفرنسي بمساعدة الباحثة نانسي ماركوت، ولم يكف هذا فريق الإعداد الذي استعان أيضا بما يقرب من 20 كتابا نشرهما الزوجان، ومقابلات مع أصدقائهما المقربين ومعارفهما.

ورغم كل ما تركه الزوجان من صور ومقاطع مصورة، فإنها لا تتضمن سوى صور قليلة جدا تجمعهما معا، لأن أحدهما يكون عادة خلف الكاميرا، ولم يصورا أيضا حياتهما الشخصية؛ فقط البراكين والمغامرات فوق الجبال.

أحيا مئات الأرواح

وتظهر المخاطر التي لم تخف على أحد طوال الوثائقي، وفي أحد المشاهد يظهر موريس وهو يجدف في بحيرة بها حامض الكبريتيك، ثم يضطر للتجديف لأكثر من 3 ساعات في رياح معاكسة للعودة إلى الشاطئ، ويقول موريس عن وظيفته "ستقتلني يوما ما"، بينما كانت كاتيا تحاول طوال الوقت حمايتهما من حدوث ذلك.

وفي أحد المشاهد التي تثير الدهشة، تقف كاتيا بهدوء وارتكاز على حافة فوهة بركان وهي تقيس درجة حرارة تصل إلى 1200 درجة مئوية، ولكن لم يكن ذلك للمتعة فقط، فقد تمكنا خلال حياتهما من الاستفادة من مغامراتهما الجريئة لكسب الشهرة والتمويل لمواصلة أبحاثهما، ورغم أنهما ماتا بالفعل فإن إرثهما منع المزيد من الوفيات.

واستخدمت مقاطعهما التي تعرض تدفق الحمم البركانية عام 1986 في فيديو تعليمي لمساعدة الحكومات على فهم مخاطرها، وبعد أسبوع من وفاة الزوجين ساعدت دراستهما في إنقاذ العديد من الأرواح عندما اندلع جبل بيناتوبو في الفلبين، حسب ما ذكرته مخرجة الوثائقي سارة دوسا في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" (CNN).

وتسلط أفلام وثائقية أخرى الضوء على قصص غير مألوفة لمحبي الخطر والراقصين على حافة الموت، فأودى شغفهم وحبهم للاستطلاع بحياتهم، ومنها: "الرجل الدب" (Grizzly Man) و"تسلّق حرّ منفرد" (Free Solo) و"متسلق الجبال" (The Alpinist).

المصدر : مواقع إلكترونية