راجعين يا هوى.. شخصيات حبيسة الزمن الخطأ

مسلسل "راجعين يا هوى" حاول استقطاب جمهور من زمن آخر، حاملا أملا في تقديم عمل يشبه المسلسلات القديمة.

مسلسل راجعين يا هوى
أبطال مسلسل "راجعين يا هوى" (من اليمين) أحمد بدير، نور، خالد النبوي، هنا شيحة، وأنوشكا (مواقع التواصل الإجتماعي)

حمل مسلسل "راجعين يا هوى" في رمضان 2022 اسم السيناريست المصري الراحل أسامة أنور عكاشة صاحب الأعمال الشهيرة مثل "ليالي الحلمية" و"زيزينيا" وغيرها، مما أثار دهشة الجمهور في البداية، ثم الكثير من الحنين للماضي وأعمال هذا الكاتب الذي تربت أجيال عليها.

مسلسل "راجعين يا هوى" بالفعل تأليف أسامة أنور عكاشة، ولكن الكاتب الشاب محمد سليمان عبد المالك هو من كتب السيناريو والحوار، بينما أخرجه محمد سلامة، وقام ببطولته خالد النبوي، وهنا شيحا ونور ووفاء عامر وأنوشكا بين عدد كبير من الممثلين الشباب والشابات.

 

حبكة قديمة

تدور أحداث مسلسل "راجعين يا هوى" حول "بليغ أبو الهنا/ خالد النبوي"، الرجل المصري الذي يعيش في رومانيا، ويخسر كل أمواله في مشروع تجاري فاشل، ويصبح مدينا بمبلغ هائل من المال لأحد رجال العصابات، ويسقط في يده، فلم يعد أمامه حل سوى العودة إلى مصر، والبحث عن إرثه الضائع بعد وفاة أخويه الأكبر سنا اللذين عهد إليهما الأب المتوفي بإرث الأخ الأصغر بليغ.

يعود بليغ إلى القاهرة ليجد العائلة متفسخة الأواصر، فكل من زوجتي الأخوين المتنافرتين الطباع قررتا إعلان الحرب على الأخرى، وتم تقسيم القصر العملاق إلى نصفين، والتفرقة بين أبناء العمومة بكل الأساليب المادية والنفسية لإنشاء عداوة تمنع بليغ من بلوغ مراده في إرثه من والده بسلام.

يتورط بليغ في محاولة إحلال بعض الهدوء في هذه العلاقات الأسرية المتشابكة، وذلك بمساعدة الأفراد الأصغر عمرًا في كلا العائلتين، الفتاة "ولاء/ سلمى أبو ضيف" وابن عمها "طارق/ نور النبوي"، في حين أن حياة بليغ العاطفية ذاتها مليئة بالفوضى المماثلة ما بين علاقته القديمة بـ "فريدة/ هنا شيحة" التي لم تنته بشكل حسن وقد تركها ليلة الزفاف، والكذبة التي أشركته فيها الطبيبة النفسية "ماجي/نور"، عندما أخبرت والديها أنه خطيبها لمنعهما من الضغط عليها لاختيار عريس.

لا يمكن تجاهل بصمة أسامة أنور عكاشة على مسلسل "راجعين يا هوى"، فالحبكة التي تعتمد على التضاد بين أساليب العيش المختلفة هي واحدة من لزماته المتكررة في أعماله السابقة، فلدينا الجانب الشعبي مقابل الجانب الأرستقراطي، المتمثلان هنا في عائلة يسرية مقابل عائلة شريفة، بالإضافة إلى شخصية العجوز الحكيم المتمسك بتراث العائلة والعيش في أحضان حي الجمالية العتيق، رافضا التخلي عن ماضيه الذي نراه هنا في شخصية عم بليغ "جابر أبو الهنا/ أحمد بدير"، بالإضافة إلى الحي نفسه الذي يمثل جزءا من تاريخ القاهرة القديمة.

هذا بالطبع بالإضافة إلى قصة الحب المستحيلة بين ابني العم "طارق" و"ولاء" اللذين تحمل عائلتيهما المشاعر السلبية تجاه بعضهما البعض، مما يثقل العلاقة بالأعباء منذ بدايتها، ألا يذكرنا ذلك بقصة "علي" ابن سليم باشا، و"زهرة" بنت سليمان باشا في مسلسل ليالي الحلمية؟

بليغ أبو الهنا بشخصيته الباحثة عن المتاعب، والتي تميل للفشل، وترك العلاقات العاطفية دون حسم هي مثال متكرر على شخصيات أخرى قديمة لأسامة أنور عكاشة أشهرها "حسن" في مسلسل أرابيسك، الرجل في منتصف العمر الذي يتمسك بأفكار ومبادئ مجردة فيفشل بكل طريقة ممكنة في حياته الواقعية، وحياته العاطفية عبارة عن فوضى من المشاعر والنساء المتهافتات على حبه ولا يدري كيف يختار بينهن وبين العزوبية.

الحنين للماضي قد يفسد جماله

قد يكون عالم "أسامة أنور عكاشة" مثاليًا للبعض في الزمن الذي عُرضت فيه أعماله، ولكن جلب هذه الشخصيات للزمن الحالي، ومحاولة أقلمتها على عصر مختلف جعلها تظهر هشاشة درامية أكبر، فلا الزمن الحديث يتحمل هذه التعقيدات التي يمكن حلها بجلسة هادئة، ولا مثاليات العم جابر تصلح للقرن الـ21 أو مشاهديه.

إن أعمال أسامة أنور عكاشة بدت مميزة في وقتها، ولكن بأي دراسة مدققة في العصر الحالي لوجدنا بها الكثير من الأخطاء الفنية، مثل الشخصيات المنمطة التي نادرا ما تتطور حتى بعد 5 مواسم كاملة، والحوار الذي يعتمد على كليشيهات أخلاقية متكررة من عمل لآخر، ولذلك تكرار هذه العيوب يبدو غير منطقي في ظل تطور الصناعة الذي يحدث بشكل طبيعي، وأن كاتب المسلسل شاب له بصمته الخاصة التي يمكن عبرها بث الروح في العمل.

هذا التعارض بين الزمن والعمل لم يتوقف عند الشخصيات وأفكارها فقط، ولكن كذلك بصورة فنية نجد أن حلقات المسلسل التي تعدى طول بعضها 40 دقيقة وبإيقاع هادئ للغاية والقليل من الأحداث، بدا ممطوطا في ظل عصر يشاهد نسبة كبيرة من المتفرجين هذا المسلسل على المنصات الإلكترونية متوقعين أحداث كثيرة في كل حلقة، بينما يشاهدون عملًا لا يمكن ربطه مع زمنهم أو طريقة المشاهدة الشائعة فيه.

الدراما المتعددة الأجيال مثل "ليالي الحلمية" ومسلسل "راجعين يا هوى" تحتاج إلى مواهب شابة تستطيع دعم الممثلين الأكبر سنًا وإضفاء الحيوية على العمل، وهنا تتمثل هذه المواهب بصورة أساسية في سلمى أبو ضيف ونور النبوي، وللأسف كل منهما لم يستطع القيام بذلك، بل أداؤهما منذ البداية مفتعل للغاية كما لو أنه محاكاة رديئة لبدايات قصص الحب في الأفلام القديمة التي يستخدم فيها بكثرة المثل الشعبي "لا محبة إلا بعد عداوة".

في النهاية مسلسل "راجعين يا هوى" عمل حاول استقطاب جمهور من زمن آخر، حاملا أملا في تقديم عمل يشبه المسلسلات القديمة التي كبر عليها جيل الثمانينيات والتسعينيات، لكنه لم يستطع القيام بدوره هذا، أو أن يجد لنفسه موطئ قدم بين الأعمال المتنافسة في موسم رمضان 2022.

المصدر : الجزيرة