تعريب الدراما الأجنبية.. محاولة لإنعاش الدراما العربية أم القضاء عليها؟

بعد "أصحاب ولا أعز".. الجمهور يرفض مسلسل "Suits بالعربي"

مسلسل سوتس - النسخة العربية Suits المصدر: مواقع التواصل
مسلسل "سوتس" النسخة العربية من مسلسل أميركي يحمل الاسم نفسه (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

بعد الجدل الهائل الذي أثاره فيلم "أصحاب ولا أعز" المأخوذ عن الفيلم الإيطالي "غرباء بالكامل" (Perfect Strangers) لما جاء فيه من تفاصيل وألفاظ لا تتناسب مع العادات والتقاليد العربية، فوجئ الجمهور بالإعلان عن مسلسل "Suits بالعربي" المُقرر عرضه في رمضان المُقبل.

أثار الإعلان الاستهجان والسخرية بين رواد منصات التواصل. فمن جهة، العمل مُقتبس من مسلسل أميركي ليصبح إضافة جديدة إلى سجل "الفورمات" و"الأنماط الجاهزة" التي يبدو أنها باتت نهجا يتوسّع ويتضاعف باطّراد كبير.

ومن جهة أخرى، يشارك في التأليف محمد حفظي الذي صار اسمه وحده كافيا لإثارة حفيظة كثيرين بعد اللغط الذي ارتبط بأعماله الإنتاجية الأخيرة، مثل أفلام فيلم "ريش"، و"أميرة"، و"أصحاب ولا أعز".

 

تاريخ "الفورمات" في الدراما العربية الحديثة

على الرغم من أن الاقتباس من أعمال أجنبية متعارف عليه في السينما العربية حتى لو كان صنّاع العمل لا يعترفون بذلك في حين يُدرك المتفرج الحقيقة -آخرها الفيلم المصري "من أجل زيكو" المقتبس من الفيلم الأميركي "ليتل ميس سانشاين" (Little Miss Sunshine)- فإن مسألة التعريب تلك ظلت على مدى سنوات بعيدة عن الدراما التي اعتدنا أن تكون نابعة من قلب المجتمع وحكاياته الأصيلة.

لهذا، كانت مفاجأة غير متوقعة حين عُرض المسلسل الكوميدي "هبة رجل الغراب" في 2014 الذي أُخذ عن آخر كولومبي باسم "أنا بيتي، أقبح واحدة" -كان قد سبق وقُدّم منه أكثر من 12 نسخة- ليصبح رائدا بمجال الاقتباس من أعمال أجنبية ومن ثمّ تمصيرها.

حاز العمل وقتئذ على اهتمام الجمهور على الرغم من أن مستواه فنّيا لم يكن جيدا بما يكفي، ويبدو أن ذلك شجع السيناريست تامر حبيب على نقل عمل كولومبي أيضا، وإن كان حاول إضفاء لمسته الإنسانية المعهودة وتحويله إلى دراما تحمل روحا عربية قدر الإمكان، وذلك من خلال مسلسل "طريقي" الذي عُرض في رمضان 2015.

المرحلة الأولى: تجارب رمضانية

أمام النجاح النقدي والجماهيري الذي حققه المسلسل، أُعجب آخرون بالفكرة ووجدوا فيها ضالتهم، فبدلا من القلق وحسابات المكسب والخسارة، لماذا لا يلجؤون إلى قصة مشهورة من البداية لتكون حجر الأساس الذي يرتكز عليه العمل مضمونا؟

هكذا شهدنا ميلاد مسلسلات رمضانية أخرى من بينها مسلسل "غراند أوتيل" المأخوذ عن مسلسل إسباني، و"حلاوة الدنيا" المأخوذ عن مسلسل مكسيكي، و"ليالي أوجينى" المقتبس عن نسخة إسبانية، ومسلسلا "زي الشمس" و"لعبة النسيان" لدينا الشربيني المُقتبسان عن أعمال إيطالية، وأخيرا المسلسل الكوميدي "سكر زيادة" المأخوذ عن عمل أميركي من ثمانينيات القرن الماضي.

المرحلة الثانية: انتشار الظاهرة

وبعد أن كانت دراما "الفورمات" تُقدّم على استحياء كعمل بين عشرات الأعمال الأخرى في السباق الرمضاني كل عام، انتشرت الظاهرة وأصبحت متكررة على مدار العام بل من خلال مسلسلات أطول من 30 حلقة، مثل مسلسل التشويق "كأنه امبارح" المنقول عن نسخة إسبانية، والدراما الكوميدية "طلعت روحي" المأخوذة عن عمل أميركي.

في 2019 انتقلت التجربة إلى لبنان في مسلسل "عروس بيروت" المقتبس عن نظيره التركي الذي حمل اسم "عروس إسطنبول"، وهو العمل الذي تجاوز عدد حلقاته حتى الآن 175 حلقة.

المرحلة الثالثة: تأثير المنصات العربية

وبعد وقت قليل من توجّه صناع الدراما للمسلسلات الطويلة اقتداء بالدراما التركية، ظهرت منصات البث العربية التي رغبت في منافسة "نتفليكس" والاستفادة من تجربتها في الوطن العربي، فظهر مُتحوّر جديد من مسلسلات "الفورمات" عبارة عن أعمال درامية مُقتبسة تُعرَض عبر مواسم قصيرة تتوالى على فترات.

كان أول تلك الأعمال المسلسل الكوميدي-الرومانسي "الآنسة فرح" المقتبس عن مسلسل أميركي مأخوذ عن آخر فنزويلي، صدر منه 4 مواسم.

في حين قررت شركة إنتاج "إيغل فيلمز" خوض التجربة وتحويل عمل صربي إلى مسلسل الجريمة والإثارة "عهد الدم" الذي صدر موسمه الأول في 2020، ومع أنه لاقى استحسان الجمهور والنقاد إلا أن موعد طرح موسمه الثاني ما زال مجهولا.

"شاهد" تخرج عن السيطرة

بين أعمال معرّبة أنتجتها منصة "شاهد" وأخرى عُرضت عليها سواء في رمضان أو كعرض أول، وقع أصحاب المنصة في فخ التعريب، لنجد أنفسنا أخيرا أمام فيض من مسلسلات "الفورمات" في الشهرين الماضيين، من بينها مسلسل "قواعد الطلاق الـ45″، و"ستات بيت المعادي"، و"خارج السيطرة"، وأخيرا "عروس بيروت" في موسمه الثالث.

 

إفلاس فكري أم مواكبة للعصر؟

تلك الحالة من تكدّس الدراما الهجينة أثارت استياء قطاع عريض من الجمهور الذي تساءل: تُرى هل نضب خيال الكُتّاب العرب أو ما عاد المجتمع يملك قصصا ثرية تستحق العرض؟ خاصة بعد أن جاءت المسلسلات المُنتقاة حديثا ذات نمط ومشكلات لا تشبه حياتهم المعتادة أو ذات حلول من الصعب التماهي معها.

ويرى آخرون تجربة الاقتباس عن أعمال أجنبية ناجحة، ومتداولة في كل العالم حتى هوليود، وهو أمر ليس بالسيئ إذا ما توفرت له عوامل النجاح المناسبة وقُدّم بحرفية فنية ومعالجة منطقية.

 

محاولة أخيرة لإنعاش الدراما المصرية

بسؤال الناقدة علياء طلعت عما إذا كان استنساخ المسلسلات الأجنبية فكرة إيجابية أم سلبية؟ أجابت أن سوق الدراما المصرية استحدثت نوعين من المسلسلات متأثرة بالأعمال الأجنبية، أولها المسلسلات القصيرة أُسوة بمسلسلات المنصات العالمية، وثانيها مسلسلات "الفورمات" التي حظيت بشراء حقوق إنتاجها رسميا وتمصيرها.

وهو التقليد الذي جاء بهدف استثمار النجاح سواء لآليات الصناعة الدرامية أو الحبكات التي سبق أن لاقت القبول، في محاولة لإنعاش سوق الدراما المصرية التي عانت على مدار سنوات من الركود والالتزام بنمط الـ30 حلقة والعرض الرمضاني.

أما نوعية القصص المختارة، فأكدت علياء أن اختلاف نمطها عن المعتاد مقصود، إذ جاء في أعقاب توقف مجموعة "إم بي سي"  عن عرض المسلسلات التركية، وذلك دعا شركات الإنتاج للبحث عن التعويض المناسب لجمهور المسلسلات الطويلة المعروفة بالـ"سوب أوبرا" (Soap opera) التي تتمحور عادة حول الحياة الشخصية لكثير من الأبطال مركزة على علاقاتهم العاطفية وتعقيداتها.

وعلى الرغم من كل الاعتراضات على ذلك النوع من الدراما وحقيقة أن صنّاعه لم ينجحوا حتى الآن في صبغه بما يشبه مجتمعاتنا، فإنه حمل بعض الإيجابيات، وهو ما عللته الناقدة بضخّه دماء جديدة للدراما التي كانت قد فقدت جزءا كبيرا من جمهورها لتقليديتها، مؤكدة أن أي محاولة للتجديد هي تجربة جيدة ما دام وراءها فكر حقيقي يسعى للتطوير.

 

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي