نسيان الحروب عبر الفن.. مدارس فنية نشأت بدافع الصدمة

لوحة انطباع شروق الشمس (مواقع التواصل)

يقدم الممثل المصري عادل إمام في فيلمه الشهير "عريس من جهة أمنية" واحدا من أكثر المقاطع شهرة في نقد الفن الحديث. حيث يتجول مع ابنته في معرض لوحات مندهشا تارة وساخرا تارة أخرى من شكل الرسومات الغريبة وباهظة الثمن في نفس الوقت.

وبالرغم من أن اللوحات المعروضة في الفيلم قد تكون غير ذات قيمة، أو استحضِرت خصيصا لإثارة ضحك المشاهدين، فإن المدارس الفنية التي تعتمد أساليب غريبة موجودة بالفعل ولها فروع مختلفة. وتعرف تلك المدارس بمدارس الفن الحديث. فما هذا الفن؟

بحر من الدماء

كانت المذابح الكبرى التي عاشتها أوروبا فيما قبل القرن الـ20 قد تتوجت بشلال دم كبير اسمه "الحرب العالمية الأولى" عام 1914. خلفت تلك الحرب أكثر من 20 مليون قتيل، و20 مليون آخرين بين جريح ومعاق. ثم أتت الحرب الثانية أكثر ضراوة وقسوة، حيث هلك فيها ما يقارب 80 مليون إنسان منهم 40 مليونا تقريبا -أي النصف- من المدنيين الذين لا ناقة ولا جمل لهم فيها.

تلك الأحداث المرعبة كان لها أبلغ الأثر على الوعي الجمعي للبشر. فالذي دفع الناس لقتل بعضهم البعض بتلك الوحشية والضراوة سواء كان اسمه الصراعات الدولية أو اتجاهات العالم الحديث أو غير ذلك، دفع السواد الأعظم من المبدعين نحو آليات وتقنيات وأساليب تعبيرية جديدة. الأمر لا يقتصر على الفنون التشكيلية فقط؛ بل على كافة الوسائط الإبداعية مثل الشعر والأدب والمسرح وغير ذلك.

وقد بات جليا أن عالم فنون ما قبل القرن الـ20 بكل حسناته وسيئاته قد ولى ومضى. وأن الساحة الفنية العالمية بصدد أشكال وأساليب تعبيرية وتصويرية أكثر قدرة على توضيح مأساة الإنسان الحديث العالق في حروب عالمية وسياسات دولية تكاد تقضي على الأخضر واليابس. وقد كان هذا بالتحديد الدافع الرئيسي لظهور ما يعرف بالفن الحديث.

مصطلح فضفاض ومدارس متعددة

يُعرّف متحف "تات" (TATE) الحداثة الفنية بأنها حركة عالمية في المجتمع والثقافة وقد سعت منذ العقود الأولى من القرن الـ20 إلى مواءمة جديدة مع تجربة وقيم الحياة الصناعية الحديثة. وبناء على سوابق أواخر القرن الـ19، استخدم الفنانون في جميع أنحاء العالم صورا ومواد وتقنيات جديدة لإنشاء أعمال فنية شعروا أنها تعكس بشكل أفضل حقائق وآمال المجتمعات الحديثة.

وتعتبر موسوعة "بريطانيكا" (Britannica) أن الحداثة الفنية هي الحرب الفنية التي دارت رحاها في أروقة المتاحف ودور العرض. فانتهاء الحربين العالميتين الأولى والثانية أشعل فتيل حرب ثالثة في الفن التشكيلي. وكان الحداثيون يريدون نسيان التاريخ أو على الأقل إعادة تفسيره.

الصرخة

تعود بدايات القلق بشأن مآلات الوجود الإنساني على الأرض إلى قبيل الحرب العالمية الأولى بعقدين كاملين. فقد رسم الفنان النرويجي إدفارد مونك لوحته الأيقونية "الصرخة" عام 1893، بأسلوب تعبيري محطما كافة القواعد الكلاسيكية للمنظور والتشكيل. وصحيح أن الحرب الأولى اندلعت عام 1914، إلا أن اللوحة ظلت مع ذلك أولى الإشارات الدالة على المأزق الوجودي الذي انزلق له إنسان عصر الآلة والثورة الصناعية.

يقول يورون كريستوفرسن الناطق باسم متحف مونش "إن لوحة الصرخة عمل فني لا يقدر بثمن، وهي تمثل رجلا يعكس وجهه مشاعر الرعب واقفا على جسر وهو يمسك رأسه بيديه ويطلق صرخة، على خلفية من الأشكال المتماوجة وتدرجات اللون الأحمر الصارخة. ولقد أنتج إدفارت مونك أيقونة الذعر الوجودي في تأمل عواقب موت الإله النيتشوي، والمسؤولية اللاحقة التي ألقيت على كاهل الإنسان الأوروبي في إيجاد مغزى ومعنى للحياة".

عالم الحداثة المقلق

التعبير عن الأوضاع شديدة التعقيد والقلق لم يتوقف عند مونك. فقد اتبع مجموعة من الرسامين حواسهم ومشاعرهم الشخصية في التعبير وتصوير ما يرونه. وانصب اهتمامهم على رسم العناصر في الظل والنور وإظهار أثر مرور الوقت على الأشياء المحيطة بهم، وسميت تلك المجموعة بالانطباعية. ويأتي على رأسهم الفنان الفرنسي كلود مونيه.

وقد أتى من بعدهم آخرون اعتمدوا على العقل الباطن واللاوعي كمصدر للإلهام، وصارت اللوحات شديدة الرمزية والعناصر المرسومة شديدة التناقض، وسميت تلك المجموعة بالسريالية. ويعد سلفادور دالي رائد تلك المدرسة وأحد مؤسسيها، ومن أبرز لوحاته "إصرار الذاكرة" التي يظهر فيها الوقت نسبيا في هيئة ساعات سائحة اجتمعت عليها الحشرات.

لوحة "إصرار الذاكرة" للرسام السريالي سلفادور دالي (مواقع التواصل)

وعلى هذا النحو، ظهرت مدارس عدة مثل البنيوية والتكعيبية والتجريدية (المعروفة بالخربشات). ومضى الإنسان الحديث في بحثه عن المعنى، وكلما ضاقت به أرض الواقع فتح لنفسه هوة في الفن يصرخ أو يتمرد أو حتى يبكي وينوح من خلالها.

المصدر : مواقع إلكترونية