سيكولوجية اللون.. توظيف الأزرق للتعبير عن أعقد الحالات النفسية

بيكاسو ليس الوحيد الذي اعتمد اللون الأزرق للتعبير عن الحزن؛ فرسامون عدة عبروا عن أحزانهم ورغبتهم في الانتحار عبر اللون الأزرق.

لوحة "ليلة النجوم" لفان غوخ (مواقع التواصل)

عاش رائد المدرسة التكعيبية بابلو بيكاسو حالة من الاكتئاب السريري الحاد أثناء إقامته في باريس عام 1901، وكان السبب في تلك المحنة النفسية هو انتحار صديقه المقرب كارلوس كاسيغماس -طالب الفنون الذي رفضت حبيبته الارتباط به- هذا الحدث المأساوي في حياة بيكاسو كان السبب في ظهور ما أُطلق عليه لاحقًا "الفترة الزرقاء".

وهي واحدة من أكثر الفترات ثراء في حياة بيكاسو، إذ أنتج فيها عشرات اللوحات التي تعبر عن العذاب والألم الذي يكتنف الوجود الإنساني بأسره. كانت تلك اللوحات، إلى جانب المواضيع الكئيبة التي تتناولها، يسيطر عليها اللون الأزرق. ولهذا السبب، سُميت بالزرقاء.

بدأت "الفترة الزرقاء" عام 1901 ميلاديا، فلوحات "التراجيديا" (The Tragedy) و"الحياة" (La Vie) وغيرها الكثير من اللوحات العالمية لبيكاسو تم إنتاجها في هذه الفترة. وكل تلك اللوحات كانت تدور حول مواضيع فلسفية وأسئلة وجودية معقدة عن الحب والحياة والموت والوحدة والخوف. فلماذا اللون الأزرق؟

الحزن الأزرق

بيكاسو ليس الوحيد الذي اعتمد اللون الأزرق للتعبير عن الحزن؛ فرسامون عدة عبروا عن أحزانهم ورغبتهم في الانتحار عبر اللون الأزرق. واحدٌ من أبرز هؤلاء هو الانطباعي الشهير فنسنت فان غوخ الذي احتوت لوحته الأيقونية، "ليلة النجوم" (Starry Night) على رسالة انتحار؛ حيث يسيطر على اللوحة اللون الأزرق وبعض الأصفر من أجل النجوم، كما يتخللها شجر سرو (شجر المدافن) الذي يصل ارتفاعه حتى النجوم.

"ولا شيء يحمِلُنا: لا الطريقُ ولا البيتُ. هل كان هذا الطريق كما هو مُنذ البداية، (…) وماذا سنفعلُ؟" – محمود درويش

يدخل في المضمار نفسه الرسام النرويجي إدفارد مونك (1863-1944)، الذي عُرف -مثل فنسنت فان غوخ- بصراعه الطويل مع الأمراض النفسية والعقلية. وقدم خلال مشواره الفني الطويل العديد من اللوحات الزرقاء التي تميّزت جميعها بمواضيع شديدة الحزن والكآبة، مثل: الوحدة والمرض والموت والفراق.

"بورتريه ذاتي مع سيجارة" للرسام النرويجي إدفارد مونك (مواقع التواصل)

وتعد لوحته "بورتريه ذاتي مع سيجارة" -المرسومة عام 1895- واحدة من أشهر لوحاته الزرقاء. وتعتمد اللوحة على الأسلوب المتحرر في الرسم الذي اخترعه مونك للتعبير عن التجارب النفسية الداخلية من دون التزام أو قيد بالقواعد الأكاديمية للرسم، مفضلا بذلك الذاتية على الواقعية والطبيعية.

يظهر مونك في اللوحة بمظهر داكن للغاية ويغلفه اللون الأزرق، ويمكننا -عبر اللوحة- متابعة بحث مونك عن لغة تصويرية جديدة يعبر من خلالها عن حزنه واكتئابه بعد دخوله عدة مصحات نفسية من دون أن تشهد حالته تحسنًا أو استقرارًا. وقد انتهى به الحال إلى أن صور حتى يأسه بطريقة زرقاء.

 

لوحة اليأس للرسام إدفارد مونك (مواقع التواصل)

"إنه يستخدم الألوان لاستحضار جو من الروحانية والإلهام. ويطرح نفسه كممثل لفن جديد لا يقلد الواقع، بل يؤسس لواقع أصيل خاص بالصورة نفسها" (متحف الفن الحديث في ستوكهولم).

تظهر لوحة اليأس لمونك -المرسومة عام 1892- كتمهيد للوحته الأيقونية "الصرخة" (The Scream) التي يقف فيها مونك على الجسر نفسه، الذي يظهر في لوحة الصرخة، في منطقة كريستيانا في ستوكهولم، وتناهى إلى سمعه صراخ عدة سيدات يرج الأفق آتيًا من مصحة نفسية قريبة من المكان.

وكتب مونك في مذكراته في نيس، "22 يناير/كانون الثاني 1892، كنت أسير على طول الطريق مع صديقين، كانت الشمس تغرب، شعرت بنفثة حزن. فجأة تحولت السماء إلى اللون الأحمر، انحرفت نحو الدرابزين ووقفت. شعرت بتعب قاتل وأنا أنظر عبر الغيوم الملتهبة التي تتدلى مثل الدم والسيف فوق المضيق البحري والمدينة الزرقاء العميقة. أكمل أصدقائي المسير، لكنني وقفت هناك أرتجف من القلق، وشعرت بصراخ عظيم لا متناه في الطبيعة."

جغرافيا الروح

ترى الطبيبة النفسية كندرا شيري ( Kendra Cherry) أن اللون الأزرق يتخذ هذه الشعبية الهائلة في التعبير عن أعقد المشاعر بسبب انتشاره في الطبيعة بشكل رئيسي "فالبحر الهائج يكون شديد الزرقة، والليل الداكن يكون شديد الزرقة، وكذلك الأمر بالنسبة للسماء الغائمة وهكذا. يستقي الإنسان تعبيراته عادة من البيئة المحيطة به وعادة ما تكون الطبيعة هي أكبر الملهمين".

وقد كان من الطبيعي أن يتحول الأزرق بكل ما فيه من روحانية لأن يكون بدرجاته المختلفة -الفاتحة والغامقة- تعبيرًا عن حالات الإنسان السعيدة والحزينة.

وتتفق مع شيري في هذا الرأي عالمة اللاهوت والمحررة الفنية آن كونواي جونز التي ترى أن اللون الأزرق لون سماوي يتمتع بهالة من القداسة. وأن انتشاره في العديد من اللوحات العالمية بوصفه وسيلة للتعبير عن الحزن المفرط، إنما يأتي من كونه صوتًا يستطيع الرسّام عبره مناجاة السماء.

المصدر : مواقع إلكترونية