"الداخل مفقود والخارج مولود".. عندما يُعيد النحت للضحايا أصواتهم

اعتبرت ميريام سلامة المشروع إنجازاً هامّاً يساهم في إيصال صوت المعتقلين وتسليط الضوء على قضيتهم أمام العالم.

‎⁨مشروع "الداخل مفقود والخارج مولود" استغرق عامين من البحث والاشتغال والتأمّل⁩ (الجزيرة)

لاقى مشروع "الداخل مفقود والخارج مولود" للفنّانة السوريّة الشابّة ميريام سلامة، قبل أسابيع قليلة، استحساناً وافراً في جامعة ملبورن الأستراليّة، حيث تمَّ عرض تكويناته إلى جانب العديد من المشروعات الأخرى.

كما حقق المشروع حفاوة كبيرة وأصداء واسعة في وسائل الإعلام الأستراليّة وعند سائر المهتمِّين بفنّ النحت ومنتوجاتهِ.

و"الداخل مفقود والخارج مولود" عبارة عن 21 تكويناً لوجوه (بورتريه) من الصلصال الملوَّن، جسّدت من خلالها سلامة عذابات المعتقلين والضحايا في سجون النظام السوريّ، معتمدةً على الصور التي سرّبها الناشط السوريّ "قيصر" عام 2014 كمصادر مرجعيّة لتكويناتها.

كما نال مشروع النحّاتة السوريّة جائزة "فيونا ماير" الأستراليّة للفنون كتقدير على المجهودين النفسيّ والفنّي اللذين وضعتهما لإنجاز هذا المشروع.

النحاتة السوريّة الشابّة ميريام سلامة (الجزيرة)

داخله مفقود وخارجه مولود

بعد أن نجحَ الرحالة العربيّ الشهير "ابن بطوطة" في اجتياز صحراء شاسعة من بلاد الشام وصولاً إلى "تبوك" في السعودية، وشرب الماء من عين فيها بعد ساعات العطش، فقال جملته "الداخل مفقود والخارج مولود" اختزل فيه مشقّة اجتياز تلك البيداء والنجاة منها نهاية المطاف.

ثمّ أعاد العرب إحياء تلك العبارة تزامناً مع ولادة الأنظمة العسكريّة الشموليّة منتصف القرن المنصرم وما مارسته من قمع وتعذيب في سجونها، فالداخل سجونها مفقود ولا يُعرَف إن كان سيخرج، والخارج منها مولود لأنه كُتِبَتْ له حياة جديدة.

وهي العبارة التي اختارتها سلامة لتكونَ عنواناً لمشروع تخرّجها في جامعة ملبورن بأستراليا، والذي ضمّ 21 بورتريه مشكَّلاً من مادّة الصلصال الهشّة لوجوه من قضوا تحت التعذيب في سجون النظام السوريّ.

وعن سبب اختيارها لهذا العنوان، تقول سلامة للجزيرة نت "جاء عنوان معرضي رسالة للعالم عن مدى الرعب والأهوال التي يقاسيها المعتقلون في سجون الأسد، ثمَّ لأطرح السؤال: ما الذي يمكن أن نفعله تجاه هذه الأحداث الصادمة المتكرّرة، وما الدور الذي نلعبه من خلال معالجة مثل هذه الأحداث والقضايا الإنسانيّة؟"

ولأنّ المشروع معالجة فنّيةً لصور ضحايا المعتقلات السورية التي سرَّبها الناشط السوريّ "قيصر" عام 2014 اقتصرت تكوينات النحّاتة الشابّة على الرؤوس والأوجه، وجاءت المعالجة على صعيد المادّة التكوينيّة ولونها والفضاء الحاضن لتلك التشكيلات وحواملها.

الهشاشة والفرادة.. مرآة صلصال

جَهِدت سلامة ليحمل كلّ عنصر فنّي من عناصر تكويناتها بُعداً دلالياً جماليّاً وإنسانيّاً يطلُّ بالمتلقّي على عوالم الضحايا والمعذَّبين في سجون النظام السوريّ، بدايةً من مادّة التكوين (الصلصال) التي ركنتْ إليها الفنّانة كعنصر دلاليّ من شأنه إعادة إنتاج مأساة الاعتقال في سيرورتها، وهو ما عبرت عنه بقولها "من خصائص الصلصال التغيُّر والتآكل مع الوقت، وتحديد عمر افتراضيّ لكلّ تكوين، وإنَّ هشاشة هذه المادّة أمام الوقت يجعل العمل أقرب للواقع بمحاكاته حياة السجناء في المعتقل، فالصلصال يمنح العمل حياةً لكنَّه سرعان ما ينهار ويتآكل كحيات المعتقلين".

وجاءت الألوان المختلفة للوجوه في التكوينات كتعبير عن رفض الفنّانة لاعتبار ضحايا المعتقلات مجرَّد أرقام يمكن الإشارة إليها كما لو كانت مأساةً وحدثاً انقضى، معتبرةً أنَّ كلّ ضحيّة من الضحايا مأساة بحالها، ولكلّ ضحيّة خصوصيتها وفرادتها المستقلّة عن غيرها من الضحايا، وتقول "كانت الألوان للتأكيد على فرادة كلّ شهيد قضى في سجون الأسد".

أمّا حوامل المنحوتات الحديدة ثلاثيّة القوائم إنّما تعكس البرودة والقساوة في فضاء السجن، وتشير إلى الكاميرا التي وثَّقت تلك المجازر، في حين يشير اللون الأزرق إلى قيصر الذي لطالما ارتدى الأزرق أثناء إدلائه لشهاداتهِ، بحسب سلامة.

وبالرغم من أنَّ التكوينات محاكاة لصور ضحايا سجون النظام، غير أنَّ سلامة آثرت طمس علامات التعذيب في الوجوه وتخليصها من التشوّهات الناجمة عن وحشيّتهِ، وأبقت على الأرقام فوق الجباه علامة إشاريّة دالّة على الحدث، في حين اشتغلت على إبراز نظرات العيون لتبدو "وكأنّها تلاحق كلّ ناظر إليها" لتعمِّق شعور المتلقّي بعذابات الضحايا.

والجدير بالذكر أنَّ مشروع "الداخل مفقود والخارج مولود" تألَّف من 21 تكويناً (بورتريه) ولكنَّ الفنّانة عازمة على استكماله ليصبح 55 تكويناً في إشارة رمزيّة لأعداد الصور التي سرَّبها قيصر والتي تبلغ حوالي 55 ألف صورة.

مشروع "الداخل مفقود والخارج مولود" يتألف من 21 بورتريه⁩ (الجزيرة)

آلام ومواجع الفنّ

وصلت النحّاتة المنحدرة من قرية "مرمريتا" الواقعة في ريف حمص إلى أستراليا عام 2012 بعد تعرّضها لضغوطات أمنيّة بسبب نشاطها السلميّ في الثورة السوريّة، وواصلت دراستها للفنون في كلّيّة ملبورن في العاصمة سيدني.

وفي سيدني كان أول معارضها الفنّية والذي حمل عنوان "المنفردة 180- 185" وضمّ العديد من اللوحات التشكيليّة صوَّرت من خلالها سلامة معاناة الإنسان في الداخل السوريّ.

وتلاهُ مشروع "الداخل مفقود والخارج مولود" الذي استغرق عامين من البحث والاشتغال والتأمّل في صور الضحايا قبل أن يرى النور، وهو ما كان له كبير الأثر في وجدان سلامة التي تعبّر عن ذلك بالقول "العيش في تفاصيل الصور وآثار التعذيب أمر مرعب ومرهق، ويشكِّل ضغطاً يصعب التعايش معه ويصعب تجاوزه ساعة الانتهاء منه، حتّى أنّي هلعت في إحدى المرات جرّاء سقوط جزء من بورتريه، وأرعبتني فكرة انهيار عملي المصنوع من مادّة الصلصال التي تجسّد الحياة والموت في آن، لكنّ المأساة تكمن في أن سقوط جزء من البورتريه هو تعبير صادق عن معاناة المعتقلين تحت وطأة التعذيب".

سلامة: العيش في تفاصيل الصور وآثار التعذيب مرعب ومرهق (الجزيرة)

تكريما للأستاذ الراحل

كتبت سلامة في خانة التعريف عن نفسها ضمن مشروعها على حسابها الشخصي في فيسبوك "طالبة النحّات السوريّ وائل قسطون" عرفانا وجميلا "للمعلّم الأوَّل والصديق وصاحب الفضل" كما تصفه.

وقضى قسطون تحت التعذيب في 23 يوليو/تموز 2012 بعد مرور أشهر على اعتقالهِ في أحد الأفرع الأمنيّة في مدينة حمص.

ورغم غيابه ظلَّ الراحل حاضراً في وجدان سلامة التي تتحدث عنه قائلة "منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها إلى المشغل للعمل على مشروعي كان وائل حاضراً معي، لم أعامل أستاذي كغائب عنّي لأنّه كان حاضراً في كلّ التفاصيل، فاستعدتُ كلّ دروسه وتعاليمه أثناء إنجازي للتكوينات، واعتمدت طريقته في العمل، ووضعت إشارات تشبه إشاراته على الأجزاء التي تحتاج للتعديل".

وتختم سلامة "عملي لم يكن مجرَّد إهداء لوائل الذي خسرته في سجون الأسد، عملي كان منذ البداية تكريماً له ولرعايته لي، إنه المعلّم الأوَّل والصديق وصاحب الفضل فيما أنا عليه اليوم".

وإلى جانب سلامة، تناول العديد من الفنانين السوريين قضيّة المعتقل ومنهم التشكيليّ خضر عبد الكريم، التشكيليّ عبد الرزاق شلبوط، النحات خالد ضوا.

المصدر : الجزيرة شارك