"الابنة المفقودة".. دراما نفسية محفوفة بالمخاطر تتحدى المعنى التقليدي للأمومة

الممثلة البريطانية أوليفيا كولمان بطلة فيلم "الابنة المفقودة" (رويترز)
الممثلة البريطانية أوليفيا كولمان بطلة فيلم "الابنة المفقودة" (رويترز)

قدم فيلم "الابنة المفقودة" (The Lost Daughter) دراما نفسية بالغة الدقة والتعقيد والعمق تألقت فيها الممثلة والكاتبة والمخرجة الأميركية ماغي جيلنهال شقيقة النجم جيك جيلنهال الذي دعمها بحضوره العرض الأول للفيلم في الدورة الـ78 لمهرجان البندقية السينمائي الدولي.

الفيلم بداية إخراجية واثقة استحضرت فيها جيلنهال رواية الكاتبة الإيطالية إيلينا فيرانتي الصادرة بنفس العنوان في عام 2008، ومنحت النجمة البريطانية أوليفيا كولمان أقوى أدوارها، وقدمت سينما "مكثفة آسرة مليئة بالتفاصيل الصغيرة المكتوبة بشكل جيد، بحيث لا يمكنك أن تغمض عينيك عنها للحظة" بحسب وصف الناقد السينمائي زان بروكس.

تجربة أنثوية جريئة

حاولت جيلنهال أن تفكك فكرة الأمومة، وتُظهر أنه "حتى الأمهات قد يخطئن"، وذلك عبر جمل سينمائية صادمة للغاية ربما تجعل الكثير من الناس يرون مشاعرهم الدفينة على الشاشة لأول مرة.

شخصية ليدا (أوليفيا كولمان)، أستاذة جامعية بريطانية متخصصة في الأدب الإيطالي، ومطلقة في منتصف العمر، تصطحب كتبها لتقضي معها عطلتها في وقت مبكر من الموسم في منارة قديمة تحولت إلى نُزُل سياحي على شاطئ بلدة يونانية صغيرة، مع ميل للوحدة يجعلها تصد أي محاولة للتودد إليها أو إخراجها من عزلتها.

تتبخر مظاهر الهدوء فجأة في لحظة وصول أفراد عائلة أميركية مبتذلة وصاخبة إلى الشاطئ تلفت انتباه ليدا التي تحاول الاقتراب منهم، لكنهم يرفضونها بوقاحة تجعلها ترفض بعناد أن تزحزح مظلة الشاطئ الخاصة بها لإفساح المجال لهم عندما طلبوا منها ذلك.

لكنها رغم تحذير الكل منهم بدءا من لايل (إد هاريس) مالك النزل، وحتى ويل (بول ميسكال) عامل الشاطئ الأيرلندي -الذي يصفهم بأنهم "أناس سيئون"- لم تستطع أن تمنع نفسها من الانجذاب إلى الأم الشابة نينا (داكوتا جونسون) التي تصرخ في وجه ابنتها بشكل متواصل، وتنجح في الاقتراب منها بعد أن ساعدتها في العثور على الطفلة التي اختفت لفترة وجيزة.

جلد الذات

الفيلم "زاخر بعُقد الذنب التي لم يتم حلها، فهي لا تزال حادة بما يكفي لتمزيق أطراف الأصابع عند التعامل معها"، وفقا لوصف الناقد بيتر ديبروغ، حيث تصبح ليدا عاطفية، وترى نفسها في شخصية الأم الشابة نينا، وتثير الفتاة الصغيرة لديها شيئا ما يجعلها تبدأ في الانسحاب نحو ذكريات قديمة، ويعود عقلها إلى تجربتها المبكرة في الأمومة منذ أكثر من 20 عاما عندما كانت أما شابة هي الأخرى (تلعب دورها جيسي باكلي)، فقدت طفلتها ذات يوم على الشاطئ في غمرة كفاحها للحفاظ على طموحها المهني، دون إهمال أطفالها.

وتواصل ليدا تتبع مشاعرها المتضاربة، يغالبها إحساس بالعار بسبب عدم الوفاء بالتزاماتها كأم، كان من الصعب عليها القيام بأمومة متعددة المهام، إذ تعمل مترجمة للشعر، وتعول أطفالها المتعطشين للاهتمام في نفس الوقت.

ويظل الصراع يتعمق بداخلها حتى يعرب "بيتر سارسجارد" أستاذ الأدب عن إعجابه بعملها، فيفتح لها "نافذة للهروب إلى الرومانسية"، على حد وصف الناقد ديفيد روني، لكنها سرعان ما تعود وتكتشف إلى أي حد أصبحت منفصلة عن أولادها، وتشعر بافتقادهم رغم وجودهم في الحياة.

تنقل سلس

يرى ديبروغ في مراقبة ليدا للناس جزءا من قوة الفيلم ساهم في منح الجمهور ما يكفي من الانفتاح على تفسيراتهم الخاصة حول ما إذا كانت تراقبهم بدافع الحسد أو الفضول أو الإعجاب.

جيلنهال -التي كتبت السيناريو أيضا- نجحت في التنقل السلس بين الخطين الزمنيين لماضي ليدا وحاضرها عبر فيض من المعاني الضمنية يكشف تدريجيا عن المزيد من المعلومات حول نجاتها من محاولة اغتصاب، ومحاولتها التحلي بالمرونة والتحدي في القرارات التي اتخذتها في حياتها، ويزيل مزيدا من الطبقات عن المكنونات العاطفية، فنرى طموحات هذه الأم والتضحيات التي قدمتها وهي تكافح لتحقيق التوازن بين مسيرتها الأكاديمية المزدهرة وبين تربية ابنتيها الصغيرتين.

وساعدتها في ذلك حركة الكاميرا التي كانت قريبة من الوجوه معظم الوقت، تراقب الناس باهتمام لترصد التغييرات في وجوههم المتقلبة كالطقس بحساسية شديدة، وتصور الحالة المزاجية بمهارة كبيرة تبقي المشاهد في حالة تخمين حول الاتجاه الذي تسير فيه القصة، ولا سيما بعد التشويق الحقيقي الذي بدأت في بنائه بعد سرقة ليدا دمية الصغيرة إيلينا بشكل مبهم ومحير وضعها تحت وطأة الخوف المستمر من افتضاح أمرها إلى أن تلقت تهديدا من عائلة نينا بعد اكتشاف سرقتها.

دور أكاديمي مطلق

استطاعت جيلنهال وطاقمها التمثيلي المختار بدقة "أن تصنع من الرواية الأصلية دراما نفسية سينمائية ساحرة"، فرأينا أوليفيا كولمان الفائزة بجائزة أوسكار والمرشحة لأوسكار أحسن ممثلة مساعدة عن دورها في فيلم "الأب" (The Father) أمام أنتوني هوبكنز أن تلعب دورها في هذا العمل في إطار "أكاديمي مطلق"، كما يقول روني.

وهو ما أظهر قدراتها التعبيرية في تجسيد هذا التعقيد في الشخصية والعاطفة والتفكير، فبدت مذهلة وهي تشير إلى أعماق الألم بابتسامة مكسورة، وعندما تعبر عن حالة من الغضب تجعلها تصرخ قائلة "أنا أم غير طبيعية"، وتعلق قائلة "الأطفال مسؤولية ساحقة"، لدرجة جعلت بعض النقاد يعتبرونها "أعظم ممثلة بريطانية على قيد الحياة بعد تقاعد دانيال داي لويس".

تألقت داكوتا جونسون أيضا "في واحد من أفضل أعمالها على الشاشة حتى الآن" -بحسب روني- كامرأة يبدو أنها تسأل نفسها أسئلة مماثلة لتلك التي كانت ليدا تسألها قبل 20 عاما عما إذا كانت ستكون راضية عن حياتها كأم، وهل ستظل تلعب دور الزوجة الرزينة لزوج مستهتر (أوليفر جاكسون كوهين)؟

الفيلم مدته 121 دقيقة، وسيبدأ عرضه في الولايات المتحدة في 17 ديسمبر/كانون الأول القادم، وعلى شبكة نتفليكس في آخر أيام هذا العام.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة