فيلم تيتان.. حينما يتحول الإنسان الحديث إلى مسخ وآلة ووحش قاتل

العنف والقتل والموسيقى الصاخبة والحرائق والعجائبية الصادمة أبرز ما يميز فيلم "تيتان" (مواقع التواصل)

باريس- بعد فوزه بالسعفة الذهبية لمهرجان "كان" السينمائي في دورته الأخيرة؛ خرج فيلم "تيتان" -للمخرجة السينمائية الفرنسية جوليا دوكورنو- إلى القاعات الفرنسية في الأيام القليلة الماضية.

الفيلم -الذي وصفته وكالة الصحافة الفرنسية "بواحد من أكثر الأفلام جموحا وإثارة وعنفا" خلال عروض المهرجان- بلغت ميزانيته أكثر من 5 ملايين ونصف مليون يورو، وشارك فيه نخبة من أبرز الممثلين الفرنسيين على غرار فينسينت ليندون، أغاثي روسيل، غارانس ماريلييه، لايس سلامة.

ويحكي فيلم "تيتان" قصة أب يجد ابنه بعد 10 سنوات من البحث، وبعد سلسلة من الجرائم العجيبة، ولكنه يجده في حالة أخرى غريبة وكأنه قد عاد من جديد مكونا من حديد أو من معدن التيتانيوم. فهل هو الإنسان "المسخ" كما تكهن به فرانز كافكا، أم هو إنسان القرن الـ21 الذي تحول إلى آلة عجيبة تتحكم بها الطبيعة وأشياء أخرى؟

من هي جوليا دوكورنو؟

في القراءة البسيطة التالية سنحاول الإجابة عن هذا السؤال؛ لتحليل الأسباب الفنية التي جعلت لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الـ74 من مهرجان "كان" السينمائي تختار هذا الفيلم ليتوج بالسعفة الذهبية، من بين 24 من الأفلام التي تنافست على الجائزة الكبرى لأعرق المهرجانات السينمائية العالمية.

ولكن قبل ذلك، من هي جوليا دوكورنو؟ وكيف أصبحت في سن الـ37 أول امرأة فرنسية بالتاريخ تفوز بالسعفة الذهبية لمهرجان "كان"، وثاني امرأة تفوز بهذه الجائزة في تاريخ المهرجان ذاته بعد جين كامبيون في عام 1993؟

حصلت جوليا دوكورنو عام 2004 على ماجستير مزدوج في الآداب الحديثة والإنجليزية من جامعة "السوربون" (Sorbonne) العريقة. ثم التحقت بالمدرسة الوطنية العليا لمهن "الصورة والصوت" (FEMIS)، وشاركت في نفس العام بورشة عمل لكتابة السيناريو في جامعة "كولومبيا" (columbia) بنيويورك، وهو ما حفزها أكثر للتعمق في التدرب على كتابة السيناريو.

وسرعان ما تفتقت موهبة المخرجة الشابة جوليا دوكورنو كتابة وإخراجا، حيث فاز فيلمها القصير الأول "جونيور" (Junior) بجائزة "السكة الحديدية" (Petit Rail d’or) الذهبية في الدورة الـ64 لمهرجان كان السينمائي في عام 2011.

وقد اختير الفيلم وعرض ضمن أفلام أسبوع النقاد، كما حقق فيلمها الطويل الأول "خطير" (Grave) نجاحا كبيرا عندما تم تقديمه عام 2016 في حفل السيزار السنوي، وترشيحه 6 مرات ولكن دون أن يفوز بأية جائزة.

مؤتمر صحفي لفيلم "تيتان" الذي فاز بجائزة السعفة الذهبية بمهرجان كان السينمائي 2021 (الأوروبية)

وبين العجائبية والواقعية الصادمة و"الديستوبيا" (Dystopia) (مجتمع خيالي مخيف عكس المدينة الفاضلة يوتوبيا) المغلّفة بالخيال المجنّح والعنف المقصود المغلّف بالرموز؛ تتحرك شخصيات جوليا دوكورنو السينمائية ومن خلالها تحاول بناء عالمها الخاص وأسلوبها المتفرد رغم غرابته وعنفه، ولكنه في النهاية ليس أشد غرابة وسوداوية من الواقع الذي يعيشه الكون اليوم بكل حروبه وعنفه وكوابيسه وحرائقه وتناقضاته.

وفي نفس هذا السياق جاء فيلم "تيتان" (Titane) من خلال توليفة سينمائية صادمة نسجت خيوطها جوليا دوكورنو كتابة وإخراجا، وتدوم ساعة و48 دقيقة.

يبدأ الفيلم بمشهد خارجي في فضاء مفتوح يوحي بالهدوء، إنها رحلة عادية يومية لأب وابنه بالسيارة في طريق العودة إلى المنزل، ولكن حركات عنيفة سريعة من الطفل الذي يجلس في الخلف -يقابلها الأب بالزيادة في السرعة وفي صوت الموسيقى- كفيلة بأن تجعل السيارة تحيد عن الطريق وتصطدم بحائط أسمنتي ليقع الحادث؛ وهو الحدث المفصلي في الفيلم، حيث يصاب الطفل أدريان في رأسه ويضطر الطاقم الطبي لإنقاذه بزراعة قطعة من معدن التيتانيوم في رأسه.

تتطور القصة بسرعة ويختصر الزمن النفسي السينمائي الأحداث، ويعجنها بخيال جوليا دوكورنو المجنح، فيتحول الطفل أدريان بقدرة قادر إلى الشابة ألكسيا التي تعيش وسط عائلة غريبة كل ما يميزها هو عدم الحوار والتواصل وخاصة بين الأب وابنته.

وسرعان ما يجد المشاهد نفسه محاصرا بموسيقى "الهاوس" الشبابية العنيفة داخل محل لبيع السيارات الفارهة، المحل الذي يتحول إلى مرقص ليلي على إيقاع أجساد الفتيات اللاتي يتم استغلال أنوثتهن لجلب الزبائن من الأثرياء المولعين بمثل هذه السيارات الفارهة.

إنها ثقافة التعري والعبودية العصرية وتحويل جسد المرأة إلى سلعة وبضاعة تباع وتشترى في سوق الرأسمالية المتوحشة.

ألكسيا -التي لا تكاد تظهر عليها علامات الأنوثة- تشتغل في هذا المحل الهجين والمرقص والملهى. وتدفع بها المخرجة دفعا في فورة الأحداث إلى استغلال جسدها المشوه أصلا، وكل هذه اللعبة الفنية مقصودة طبعا، ليكتشف المشاهد سريعا الاضطرابات النفسية والجسدية التي تعانيها البطلة ألكسيا نتيجة الحادث الذي تعرضت له وقطعة التيتانيوم التي زرعت في دماغها.

نكتشف -بتسارع الأحداث وتطورها- الأثار السلبية التي خلفها هذا المعدن على جسدها، فتحولت حياتها إلى جحيم وصارت متعطشة للعنف وقتل البشر، هي الكائن الغريب العجيب الهجين الذي يـتأرجح بين الإنسان والآلة. أو هو وحش آدمي مشوه جسديا وروحيا. وكل هذه التشوهات الجسدية والنفسية -التي صبغت بها دوكورنو بطلتها ألكسيا- تجرها إلى الدخول في ارتكاب سلسلة من الجرائم البشعة.

تقتل ألكسيا أول معجب، ثم تقتل زميلتها وصديقتها في العمل وكل من يعترض طريقها في بيت الصديقة؛ إنه انتقام الآلة والوحش الساكن فيها من الانسان من حولها حتى ولو كان فردا من العائلة.

تحضر أغلب شخصيات فيلم "تيتان" من دون أسماء ومسميات (مواقع التواصل)

اغتراب مجتمعات ما بعد الحداثة

العنف والقتل والموسيقى الصاخبة والحرائق والعجائبية الصادمة أبرز ما يميز فيلم "تيتان"، فأنى تولي وجهك يعترضك العنف ويداهمك الرعب وتتسارع الجرائم بشكل غريب حتى يرتعش المتفرج في مقعده ويظن أن الدور القادم سيكون عليه خاصة مع حركة الكاميرا السريعة والموجهة التي ترفدها عملية مونتاج ذكية ومحترفة.

وفي أكثر من مشهد من الفيلم؛ ترّكز الكاميرا في عملية القتل على تقاسيم الوجه ففي حين نجد الضحية تتعذب وتقاوم وتحاول الهرب والخلاص، نجد القاتلة من خلال عملية الزوم بالكاميرا صامتة باردة ولا نكاد نعثر في تقاسيم وجهها على أي إحساس أو شعور بالذنب أو الخوف. إنه القتل بدم بارد الذي ترتكبه البطلة والآلة المتوحشة التي تحصد مئات الأرواح كل يوم في عالمنا المعاصر.

وبعد أكثر من مشهد قتل، تجلس البطلة غير مبالية تتناول وجبتها بكل هدوء، في حين تعلن شاشة التلفزيون عن الجريمة التي اكتشفت للتو وتعلن الشرطة أنها بصدد البحث عن الجاني الذي كل مرة ينفذ القتل بنفس الطريقة.

وإمعانا منها في هذه الكوميديا السينمائية السوداء الكابوسية؛ تحضر أغلب شخصيات فيلم "تيتان" من دون أسماء، والبطلة ألكسيا أدريان -وهي التي لها اسمان- تعدّ إحالة فنية على حالة التذبذب والعبثية واختفاء الهوية الحقيقية، بالإضافة إلى قلة الحوار في الفيلم؛ حيث تصبح الموسيقى والصورة والعنف هي اللغة الجوهرية التي تحمل رموز الفيلم ورسالته.

إنه عالم من دون اسم ولا مسميات عالم غريب عجيب تختفي فيه الأحاسيس والمشاعر والإنسانية ليعانق التوحش والحيوانية ويرزح تحت القتل والعنف والحروب والحرائق والمجاعة والفقر.

إنه عالمنا المعاصر الحالي ولا ريب، ومستقبله الغامض والمشوش والعبثي كما تكهن به المفكر إدغار موران. وإذا أضفنا إلى كل ذلك إطلاقية المكان والزمان نعثر على القصدية واللعبة الفنية التي تختبئ خلفها المخرجة دوكورنو، لأن أحداث الفيلم هي مجرد إحالة إلى الفضاء الأكبر وهو عالمنا المعاصر اليوم بكل تناقضاته وترسباته وعنفه وحروبه.

شارك في الفيلم نخبه من أبرز الممثلين الفرنسيين على غرار فينسينت ليندون، أغاثي روسيل، غارانس ماريلييه (الأوروبية)

السلطة والإجرام

ومن المتناقضات الكثيرة التي نجحت المخرجة دوكورنو في الاشتغال والعثور عليها واقتناصها وتصويرها واقعيا بطريقة ذكية في فيلمها "تيتان"؛ هي هذه العلاقة الملتبسة بين المواطن والسلطة، وخاصة بين المجرمين والسلطة.

نرى القاتل الوحش المجرم الذي تبحث عنه الشرطة وتطارده من أول الفيلم إلى آخره، هذا القاتل -الذي ليس سوى البطلة ألكسيا- يصبح محميا من السلطة ذاتها بعد أن تحتضنه وتتبناه قوات الدفاع المدني والإطفاء، حيث غيرت البطلة القاتلة شكلها بسرعة بعد جرائمها المتكررة لتتنكر بخبث -في شكل الابن الضائع أدريان- أمام قائد قوات الدفاع المدني والكوموندو الذي لا نعرف حتى اسمه.

يصر القائد على أن ألكسيا هي ابنه الضائع أدريان ويحملها معه إلى البيت، حيث تتمتع بالحماية وتصبح بعد ذلك الزميلة والشريكة في العمل، ولاحقا حينما يكتشف أن من كان يظن أنه ابنه الضائع هو فتاة وليست فتى، يصر على موقفه الأول ويخاطب ألكسيا قائلا "لا أعرف من أنتَ ولا يهمني أن أعرف من أين أتيت ولكن كل ما يهمني هو أنك ابني وسأحميك حتى من نفسي"، في مفارقة عجيبة وغريبة وصدفة مقصودة من المخرجة إمعانا منها في لعبة السخرية السوداء والمفارقات ولوحات السريالية والعجائبية.

مستقبل غامض وعبثي

وفضلا عن اختيار الممثلين الذي نجحت فيه جوليا دوكورنو -وخاصة الممثلة أغاثي روسيل التي أبدعت في أداء دورها بشكل لافت- فإن من أكبر نقاط القوة الفنية التي نجحت المخرجة جوليا دوكورنو فيها هو هذا الجانب والتذبذب النفسي الذي ميّز شخصية البطلة ألكسيا، حيث نراها تتعذب وتبحث عن الخروج من هذه الشرنقة التي ولدت فيها، والخلاص من عالمها العبثي المشوش والتوق إلى كسر طوق المنزلة بين المنزلتين التي حشرتها فيها المخرجة والمجتمع أيضا، فلا هي بشر كامل ولا هي آلة محض ولا هي وحش حقيقي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة